من بين نقاط التحفظ الكثيرة حول "اتفاق الاطار" الذي وقع في واشنطن، رهنه لعملية اعادة الاعمار وعودة النازحين بتلبية الشروط السياسية والامنية، متناسيا البعد الانساني الذي ضمنته الشرائع الدولية، مع ما قد يكون لذلك من تداعيات كبيرة على الصعيد الداخلي على اكثر من صعيد.
مصادر واكبت المفاوضات والنقاشات التي سبقت توقيع "اتفاق الاطار" الثلاثي، اشارت الى ان بنوده كرست الرؤية الاميركية التي استمرت مسار جدل لاكثر من سنتين، من خلال ربط ملفات الأمن والاقتصاد وإعادة الإعمار ضمن إطار سياسي واحد، ما جعل التعامل مع استحقاق إعادة الإعمار وعودة النازحين، جزءا لا يتجزأ من التسوية السياسية والأمنية، حيث ان تدفق الأموال الدولية والاستثمارات الخارجية مشروط بمدى التزام الدولة بتنفيذ التعهدات الأمنية، إلى جانب إطلاق الإصلاحات المالية والإدارية ، وتعزيز الحوكمة والشفافية.
وكشفت المصادر ان الولايات المتحدة امسكت بالملف بشكل احادي، من خلال أربعة عناصر أساسية اوردها الاتفاق صراحة، وهي:
- التزام واشنطن المباشر بقيادة عملية حشد الدول المانحة والمؤسسات المالية الدولية لتوفير التمويل اللازم، بما يمنحها دوراً محورياً في إدارة ملف إعادة الإعمار، ما يضرب بالتالي المساعي الفرنسية، ودور باريس الذي تسعى الى لعبه على صعيد عقد مؤتمرات الدعم.
- ربط اعادة إعمار ما دمرته الحرب بإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية، بما يشمل شبكات الطرق والكهرباء والمياه والاتصالات، ما يؤسس لمرحلة تنموية جديدة، ولورشة ستمتد لسنوات.
- إعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية، استعادة النمو، وخلق فرص عمل، من خلال إطلاق برامج متكاملة للتعافي الاقتصادي، تندرج في اطاره المناطق الاقتصادية الحدودية، حيث يحكى عن "طرح اسرائيلي" لتحويل بلدة زوطر، التي تضم خليطا ديموغرافيا من اكثر من مذهب، الى منطقة صناعية نموذجية، تمول من قبل دولة خليجية.
- تشجيع الاستثمارات المحلية والخارجية، بما يحول عملية الإعمار من مجرد استجابة طارئة إلى مشروع اقتصادي طويل الأمد، يهدف إلى إعادة دمج لبنان في الدورة الاقتصادية الإقليمية والدولية. سياسة
واقع استبقت الحكومة تداعياته، إذ تكشف أوساط وزارية أن العمل يجري على أكثر من مسار بالتوازي، مشيرة الى ان وزارة المال امنت الاعتمادات اللازمة لإطلاق ورشة رفع الردم من كافة المناطق، المقدرة كلفتها الأولية بنحو 200 مليون دولار، تزامنا مع توفير التمويل اللازم من خزينة الدولة، والذي طالبت به وزارة الشؤون الاجتماعية، لضمان استمرارية تقديم المساعدات وعدم انقطاعها لبرنامج "امان"، بعدما اتسعت دائرة المستفيدين منه لتشمل آلاف الأسر المنكوبة والنازحة، التي فقدت مساكنها ومصادر دخلها، في ظل تعثر وصول المساعدات الخارجية بالوتيرة المطلوبة.
وتؤكد الأوساط أن التحدي لا يقتصر على تأمين التعويضات أو إزالة الأنقاض، بل يتمثل في استحالة عودة أكثر من 300 ألف نازح إلى قراهم في المدى المنظور، نتيجة الدمار الواسع الذي طال البنى التحتية الأساسية، من طرقات وشبكات مياه وصرف صحي وكهرباء واتصالات، إضافة إلى تضرر المدارس والمراكز الصحية والخدمات العامة، الى جانب استمرار الهواجس الأمنية في عدد كبير من القرى، حيث باشرت الجهات الرسمية إعداد خطة لإدارة المرحلة، تقوم على مسح المباني الحكومية غير المستخدمة في الجنوب، وتجهيزها كمراكز إيواء مؤقتة تستوفي الحد الأدنى من الشروط، بالتوازي مع تكليف الإدارات المختصة إطلاق المناقصات اللازمة، لاستيراد منازل جاهزة من تركيا وتركيبها في مناطق آمنة ومجهزة بالخدمات الأساسية.
ميشال نصر -الديار
