الخلاف بين الدولة والحزب سيبقى ضمن الأطر السياسية والدستورية، مع احتجاجات في بعض المناطق ليس أكثر، لأنّ زمن التهديد بـ7 أيار جديد أو بحرب داخلية قد ولىّ إلى غير رجعة، فالحزب لم يعد يملك أي قدرة وسط الخسائر العسكرية التي مُني بها، ويفتقد اليوم إلى قاعدة شعبية شيعية متماسكة، ولا نفوذ سياسياً له عبر حلفائه الذين قلّ عددهم كثيراً ولا بدعم إقليمي، كما أنّ الضغوط الداخلية تزايدت وتطالب يومياً بحصر السلاح بيد الدولة
كتبت صونيا رزق لـ”هنا لبنان”:
بعد دقائق من إعلان توقيع الاتفاق الإطاري يوم الجمعة الماضي بين لبنان وإسرائيل، والذي حدّد المسار لاتفاق مستقبلي بين الطرفين لإنهاء الصراع وحل القضايا العالقة، ضمن عملية متبادلة ومشروطة لبسط سلطة الجيش اللبناني وانسحاب إسرائيل من المناطق التي تحتلها في الجنوب، وصف حزب الله الاتفاق بالمذلّ والمجّاني مع تعهّد بعض نوابه وقيادييه بإسقاطه عملياً. فانطلقت التهديدات على الفور بالنزول إلى الشارع مع عبارات حملت في طياتها هجوماً كبيراً على موقعي الرئاسة الأولى والثالثة، رفضاً لربط الانسحاب بنزع السلاح الذي رأى فيه الأمين العام للحزب نعيم قاسم تجاوزاً للخطوط الحمراء، وحذّر من أنّ إعطاء إسرائيل حرّية الحركة في الاتفاق يُعدّ استمراراً للعدوان، وتوعّد بالتصدّي لأي خرق مع مواجهة البنود التي تمنح إسرائيل دوراً أمنياً مباشراً.
كما اعتبر بعض قياديي الحزب بأنّ الاتفاق يمثّل خطيئةً تهدف إلى تحويل المشكلة من خارجية مع إسرائيل إلى داخلية لبنانية، لجرّ الجيش اللبناني لمهمة نزع سلاح حزب الله، وطالبوا الحكومة بالتراجع عنه، والدعوة للاعتماد حصراً على مذكرة التفاهم المبرمة بين الولايات المتحدة وإيران، ملوّحين بحرب داخلية مع التهديد بتظاهرات أمام السراي الحكومي.
هذا المشهد برز ليل الجمعة الماضي على طريق المطار ومنطقة رياض الصلح والجوار عبر الاستعانة كالعادة بالمناصرين ودرّاجاتهم النارية وعبارة “شيعة شيعة”، الأمر الذي حوّل تلك المناطق إلى بؤرة مشتعلة، لكن الجيش كان في المرصاد ولم يسمح بتعكير الأمن بحسب ما كان الحزب يخطّط.
الجنرال داوود: الجيش حريص على ألّا يخلّ أحد بأمن البلد
في هذا الإطار يقول العميد المتقاعد فادي داوود لـ”هنا لبنان”: “لا أظنّ أنّ الأمور ستصل إلى هذا الوضع على الرغم من سقف الاعتراض العالي، فهناك عقلاء والموقف الأساسي برز في كلام الرئيس نبيه برّي الذي حذّر كل الأطراف من الفتنة، والحرب الأهلية ليست لمصلحة أي طرف لبناني ولا أحد يريدها، لذا أرى سقف الاعتراض في الشارع من خلال التظاهرات التي لن تؤدي إلى الإخلال بالأمن، فالظروف مختلفة اليوم ولا أحد قادر على ذلك، كما أنّ العسكر كان وما زال حريصاً على عدم نزع سلاح حزب الله بالقوة، وفي الوقت عينه حريص على ألا يخلّ أحد بأمن البلد”.
وعن إمكانية تنفيذ الاتفاق وسط هذا الرفض، أشار إلى أنّ الأصوات المعترضة تبني كلامها على ملحق أمني سرّي أنا شخصياً لا أؤمن بوجوده، فلا بنود سرّية وهم يبنون مواقفهم على التكهنات، فيما تبدو بعض الأمور غير واضحة مثل الانسحاب الإسرائيلي فلا جدولة زمنية له، وهذا يعطي دوراً كبيراً لضامن الاتفاق أي الولايات المتحدة.
وحول وجود إهانة لسيادة لبنان في الاتفاق كما يعتبر حزب الله، أجاب العميد داوود: “في السياسة يمكن لأيٍّ كان أن يأخذ الأمور إلى المكان الذي يريده، وسأل: “أليس وجود الإسرائيلي في الجنوب وتدميره القرى والمنازل إهانة لسيادة لبنان؟ والطرف الذي اتّخذ قرار الحرب وقام بها ألم ينتهك السيادة؟ لذا علينا أن ننظر إلى كيفية التعاطي مع هذا الواقع”.
وعن مدى قدرة الجيش على تنفيذ المهام المطلوبة منه في الاتفاق، أكد أنّ الجيش قادر على التنفيذ فهو قام بذلك في مناطق أكثر صعوبة، فلماذا لن يستطيع أن يحفظ أمن منطقة نموذجية صغيرة؟
لا أحد يستطيع المسّ بالمواقع الرئاسية
وفي إطار إمكانية المسّ بالمواقع الرئاسية من قبل الحزب، رأى العميد داوود أنّ الأمور مختلفة اليوم فلبنان ليس معزولاً في جزيرة، وأي أمر يحصل في الداخل اللبناني يحتاج إلى ظروف إقليمية ودولية، وعلينا أن ننتظر التوافق الأميركي – الإيراني ومدى وصول الإيراني إلى تفاهم مع الأميركي على كل الأوراق، وعندها ستمّر الأمور بطريقة سلسة.
وحول نجاح تنفيذ الاتفاق، ختم العميد داوود: “الأيام القليلة المقبلة ستوضح ذلك، إذ إنّ نجاح وتنفيذ الاتفاق رهن بثلاثة شروط، هي الانسحاب الإسرائيلي وقدرة الجيش على تنفيذ الشق الذي يختص به في المناطق التجريبية، كذلك توضيح بعض المفاهيم التي تفخخ الاتفاق، مثلاً حين يتحدث الإسرائيلي عن الخط الاصفر، فهناك أسئلة في هذا الإطار، فأين يبدأ وأين ينتهي هذا الخط؟ ولا شك أنّ هناك أموراً تهدّد الاتفاق، على سبيل المثال حين يقولون إنّ الإسرائيلي يحتفظ بحرّية الحركة، فهل يعني ذلك أنه يستطيع القيام بعمليات إنزال؟ لذا حين تتوضح هذه الأمور فهذا يساهم في نجاح تنفيذه”.
هرطقة يحلم بها الحزب ومناصروه!
في سياق متصل ووفق ما أشارت مصادر سياسية مطلعة على آخر المعطيات لـ” هنا لبنان” فالخلاف بين الدولة وحزب الله سيبقى ضمن الأطر السياسية والدستورية، مع احتجاجات في بعض المناطق ليس أكثر، لأنّ زمن التهديد بـ7 أيار جديد أو بحرب داخلية قد ولىّ إلى غير رجعة، فالحزب لم يعد يملك أي قدرة وسط الخسائر العسكرية التي مُني بها، ويفتقد اليوم إلى قاعدة شعبية شيعية متماسكة، ولا نفوذ سياسياً له عبر حلفائه الذين قلّ عددهم كثيراً ولا بدعم إقليمي، كما أنّ الضغوط الداخلية تزايدت وتطالب يومياً بحصر السلاح بيد الدولة، فضلاً عن ضغوط دولية وإقليمية لتنفيذ أي اتفاق أمني أو سياسي يتم التوصل إليه.
وعن إمكانية إسقاط النظام كما يردّد مناصرو الحزب الأصفر، إعتبرت المصادر المذكورة بأنّ إسقاط النظام بالقوة أو تغيير الرئاسة خارج الأطر الدستورية، أو إسقاط الحكومة كما يطمحون هو مجرّد هرطقة يحلم بها الحزب ومناصروه، لكن نطمئنهم بأن لا تراجع عن قيام الدولة القوية صاحبة القرار الحر.

