أن تعود إسرائيل إلى فرض "شريط أمني" في جنوب لبنان تحت مُسمى "الخط الأصفر"، فذلك يؤسس لوجود أمني طويل الأمد وسطوة عسكرية تفرضها تل أبيب داخل لبنان ولكن بنمطية اختلفت تماماً عما كان سائداً قبيل أكثر من 40 عاماً، وتحديداً حينما كانت إسرائيل تحتل لبنان من العام 1978 وحتى الـ2000.
في الواقع، فإن ما اختلف بين تلك الحقبة الماضية والحالية هو أن إسرائيل كرست نفسها "لاعباً وحيداً" في الجنوب وتحديداً ضمن "المنطقة الصفراء"، فهناك باتت المناطق مجردة من سكانها فيما العودة إلى هناك مستحيلة في ظل الاحتلال. وعملياً، الواقع هذا لم يكن قائماً في ثمانينيات القرن الماضي، فالاحتلال الذي كان مفروضاً على الجنوب لم يأتِ من دون سكان، إذ كان أهالي الجنوب حاضرون في مناطقهم وقراهم، يعيشون تحت نير الاحتلال ولم يتركوا منازلهم أو قراهم كما هو حاصل اليوم.
عملياً، سعت إسرائيل إلى فرض سياسة أمنية قائمة على "إفراغ مناطق سكنية" تمهيداً لاحتلالها، وهذا السيناريو كان يُطبق على مساحات شاسعة جنوباً، بدءاً من كفركلا في القطاع الشرقي وصولاً إلى الناقورة في القطاع الغربي. في الوقت نفسه، حاولت إسرائيل قبيل أكثر من 40 عاماً فرض سطوة أمنية عبر جيشها من جهة وأدوات لها من جهة أخرى، كـ"جيش لبنان الجنوبي"، لكنها الآن لا تحتاج إلى ما كانت تعتمد عليه سابقاً لسببين: الأول هو أنه لا حليف لإسرائيل في الداخل اللبناني ولا قوة عسكرية تعلن مؤازرتها، بينما السبب الثاني هو أن إسرائيل لا تحتاج إلى قبضة أمنية موسعة في المنطقة الصفراء لأنها خالية من السكان، فالوجود البشري هناك يؤسس لمخاوف لدى إسرائيل.
لهذا السبب، فإن المناطق التي عاد إليها النازحون تعتبرُ من أكثر المناطق التي تُخيف إسرائيل من الناحية الأمنية وليس السلاح كسلاح، ذلك أنّ العديد من سكان تلك المناطق لديهم ارتباط مباشر بـ"حزب الله" وبالتالي فإن أي نشاط هناك سيتمّ في وسط مناطق عادت لتنشط مجدداً، وبالتالي ستكون الرقابة الإسرائيلية أصعب وأكثر تعقيداً حتى وإن كان سلاح المسيرات والجواسيس هو الأكثر استخداماً في هذا المجال.
وأمام كل ذلك، كانت سياسة المناطق الفارغة هي الأكثر إراحة لإسرائيل، لكن ما لجم هذا المنحى هو التسويات التي فرضت نفسها ميدانياً وأوقفت الحرب "جزئياً".
ووسط كل هذا، فإن إسرائيل تسعى لإيجاد منطقة عازلة حقيقية لا تتهدد فيها قواتها بشكل مباشر إلى حين اكتمال "التسويات" ونضوج التوجهات، ومعرفة السبيل الذي سيسلكه ملف سلاح "حزب الله" ووجوده داخل منطقة جنوب الليطاني وخارجها
