لا شكّ في أن اتفاق الإطار الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركيّة يُشكّل محطة سياسية مفصلية وتاريخيّة ستترك تداعياتها على شكل العلاقة اللبنانية - الإسرائيلية والأهمّ على شكل العلاقة بين مختلف الأفرقاء في الداخل اللبنانيّ، بسبب التباين الحادّ تجاه الاتفاق.
في علم السياسة والعسكر، وعلى مرّ التاريخ، غالبًا ما يفرض المنتصر شروط السلام أو التسوية السياسية، فيما يجد الطرف الخاسر نفسه يُفاوض ضمن الهامش الذي يتركه له ميزان القوى، وقد وَضَعَنا "حزب الله" بمغامراته المتهوّرة في الخانة الأخيرة.
"الحزب" مهزوم، وهذا الاتفاق تجسيد لهذه الهزيمة ولو رفض البعض الاعتراف بذلك.
فـ"الاتفاق"، ورغم الملاحظات والتحفّظات العديدة التي تُسجّل على بنوده، ليس سوى انعكاس مباشر لنتائج حربيّ الإسناد، بعدما أدخل "الحزب" لبنان في مواجهة تجاوزت قدراته وإمكاناته، وربط الساحة اللبنانية بالمشروع الإيراني. ومن هذا المنطلق، يرى مؤيدو الاتفاق أنه يشكّل الخطوة الأولى في مسار إعادة تمكين الدولة اللبنانية، واستعادة دورها بوصفها الجهة الوحيدة المخوّلة اتخاذ قرار التفاوض وإدارة العلاقة مع إسرائيل، فضلا عن أن الاتفاق قطع الطريق على إيران التي ما زالت تشتري وتبيع بدماء اللبنانيين. والمفارقة وربما غير المصادفة أن البنود الـ14 لاتفاق سويسرا قابلها 14 بندًا أيضًا في اتفاق واشنطن. تاريخ
"الاشتراكي": الاتفاق تجاوز اتفاق الهدنة
وسط الانقسام الحادّ في التقييم، يرفض الرئيس السابق للحزب "التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط "اتفاق الإطار"، وقد عبّر عن ذلك بوضوح عبر "إكس"،معتبرًا أنه جاء أحادي المضمون، ومذكّرًا بأن اتفاق الهدنة أساس في العلاقات بين الدولة اللبنانيّة وإسرائيل كما هو جزء لا يتجزأ من اتفاق الطائف، وذهب جنبلاط أبعد من ذلك بالانتقاد عندما قال "كبار المفاوضين مع نخبة المستشارين في بعبدا وثلة الاختصاصيين في السراي الذين ارتأوا إغفاله إن لم نقل حذفه".
رغم استمرار التواصل بين المختارة وبعبدا، هناك تحفظات كثيرة على "اتفاق الإطار"، وترى مصادر "نداء الوطن" أنه كان من الأفضل عدم التوصل إلى أي اتفاق على أن يتم توقيع هكذا اتفاق، وكان بالحريّ الانطلاق في المفاوضات مما وصل إليه اتفاق 17 أيار الذي رفضه أكثر من نصف اللبنانيين، بدلا من الذهاب إلى صيغة أسوأ منه، متسائلةً المصادر: لماذا وصل الفريق المفاوض برئاسة سيمون كرم والمستشارين إلى هذه النتيجة؟
ورغم إعادة التأكيد على دعم جنبلاط لمبدأ التفاوض مع إسرائيل، سواء كان مباشرًا أو غير مباشر، والتمسّك بضرورة حصر السلاح، يعتبر الحزب الاشتراكي وفق المصادر أن أي مفاوضات يجب أن تنطلق من هدف نهائي واضح، مع آلية تضمن الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانيّة، بينما الاتفاق الحالي لم يحقق هذا الهدف، إذ إن الانسحاب الإسرائيلي بقي مشروطًا، من دون جدول زمنيّ أو التزام واضح، في وقت تضمّن اتفاق 17 أيار يومها جدولة للانسحاب.
مصادر "نداء الوطن" جدّدت تأكيد كلام جنبلاط بأن "اتفاق الإطار" أحادي لصالح اسرائيل التي فرضت فيه ما تريد، بينما لبنان لم يحقّق أي شرط، ورأت أنه يتضمن ثغراتٍ أساسية عدّة، أبرزها شرط عدم الإدعاء على إسرائيل، فمن غير المنطقي إعطاء هكذا ضمانة. تاريخ
أما الأهم بحسب المصادر أن "اتفاق الإطار" لم يأتِ على ذكر اتفاق الهدنة عام 1949، وبهذه الخطوة ينسف اتفاق الطائف، والقرارات الدوليّة الصادرة سابقًا لحل النزاع اللبناني الإسرائيلي، ومنها القرار 1701، واتفاق وقف إطلاق النار عام 2024، والتي تضمّنت جميعها إقرار باتفاق الهدنة.
وتعتبر المصادر أن خطورة "الاتفاق" تكمن في كونه خطوة باتجاه السلام، من دون أن يكون هناك توافق لبناني داخلي على هذا الخيار، بما يفتح الباب أمام مسار سياسي يتجاوز معالجة الوضع الأمني الراهن إلى مرحلة مختلفة لم تُحسم وطنياً بعد وغير متّفق عليها.
الخطوة المقبلة
يختلف المشهد بين 17 أيار 1983 واليوم، فرغم أن اتفاق 17 أيار بلسان معارضيه هو أفضل بعشر مرّات من اتفاق الإطار الثلاثي، إلاّ أن الظروف السياسيّة والدوليّة مختلفة كليًّا، ولا يبدو أن أيًّا من الأفرقاء جاهز أو أقلّه يريد الدخول في لعبة الشارع.
تتزامن هذه المعطيات مع معلومات "نداء الوطن" من مصادر أميركيّة أكدت حصول الإدارة الأميركيّة على تقارير استخباراتيّة حديثة تفيد بأن "حزب الله" هو اليوم أضعف من أي وقت مضى، وبنيته الاجتماعية والاقتصادية منهارة، وهذه المعطيات تتقاطع مع تأكيد مصادر "نداء الوطن" أن "الثنائي" ليس في وارد الإقدام على أي خطوة عمليّة، ميدانية كانت أو عسكرية على الأرض.
وتشير المعلومات إلى أن الرئيس نبيه بري يدرس "الاتفاق"من الناحيتين الدستورية والقانونية، انطلاقًا من أحكام المادة 52 من الدستور، التي تنص على أن رئيس الجمهورية يتولى التفاوض في المعاهدات بالاتفاق مع رئيس الحكومة، على أن تُعرض على مجلس الوزراء ثم تُحال إلى مجلس النواب لإبرامها. ومن هنا، تبدو المعركة المقبلة سياسية ودستورية أكثر منها ميدانية، في ظل اقتناع معظم القوى بأن "الثنائي" ليس في وارد الذهاب إلى مواجهة أمنية أو عسكرية، بل سيترك المواجهة تنتقل إلى المؤسسات الدستورية، حيث ستكون الكلمة الفصل وهناك يتمّ إسقط الاتفاق.
ورغم التواصل الدائم بين الحليفين التاريخيّين برّي وجنبلاط، إلاّ أن الموقف النهائي للحزب "التقدّمي" وكتلة "اللقاء الديمقراطي" لم يُحسم بعد، إذ تشير المعطيات إلى استمرار دراسة بنود الاتفاق ومضمونه وانعكاساته السياسية والدستورية والسيادية، تمهيدًا لصوغ موقف متكامل.
وبحسب المعلومات، في حال سلك الاتفاق مساره الدستوري عبر إقراره في مجلس الوزراء وإحالته إلى مجلس النواب، فإن موقف الحزب والكتلة سيكون منسجمًا مع الموقف الذي سبق أن أعلنه وليد جنبلاط، على أن يُعلن الموقف الرسمي في حينه بعد استكمال النقاش داخل الأطر الحزبية والنيابية.
كلارا جحا -نداء الوطن
