بعد التلميحات الكثيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب حول امكان الطلب الى الرئيس السوري احمد الشرع (أبو محمد الجولاني) لعب دور في لبنان ضد حزب الله، رأى البعض ان هذه الدعوة تماثل الدعوة التي تلقاها حزب الله خلال الحرب السورية في العام 2011 للعب دور في سوريا.
تجربة الحزب داخل الأراضي السورية في حينه، أتت ضمن دعوة صريحة، وفي خضم صراع إقليمي-دولي، وفي واقع سوري مرير انقسامي شديد، كما ان الحزب وعلى الرغم من الحضور العملي القوي الذي ترك اثره الفاعل، لم يكن ممثلاً رسمياً للدولة، وبالتالي فقد كان مجموعة من الأشخاص لها ولاءاتها ومعتقداتها ورؤيتها الثابتة للوضع الإقليمي وحساباتها السياسية والعسكرية. انطلاقاً من هذا النموذج، تظهر الفرضية المعاكسة: هل يمكن أن يشهد لبنان انتقالاً وظيفياً من نوع مختلف، يكون فيه فاعل مرتبط بالدولة السورية، أو ناتج عن إعادة تشكيلها، جزءاً من منظومة أمنية داخل لبنان؟ هنا لا يطرح السؤال كونه تكراراً للتجربة السورية، بل باعتباره احتمالاً لإعادة توزيع السيطرة الأمنية داخل ساحة لبنانية تعاني من مشكلة مزمنة في هذا الاطار.
غير أن هذا التشابه الظاهري يخفي اختلافاً أساسياً بين طبيعة الفاعلين. فحزب الله في التجربة السورية كان يتحرك كفاعل قادر على العمل خارج الإطار المؤسساتي للدولة اللبنانية، ما سمح له بتجاوز القيود التقليدية. في المقابل، أي فاعل سوري محتمل، يبقى أقرب إلى منطق الدولة أو شبه الدولة، أي إلى بنية تسعى، ولو بشكل غير مكتمل، إلى احتكار القرار الأمني، مع التسليم بأن الحديث عن جيش سوري في المفهوم الكامل للكلمة يبقى بعيد المنال، خصوصاً بعد الانقسام الحاد في الشارع السوري من جهة، والضربات الاسرائيلية التي قضت على أي مفهوم قوة قد يمتلكه مثل هذا الجيش، ناهيك عن استقلالية الجماعات التي التقت على هدف اسقاط بشار الأسد واختلفت على توحيد الراية. هذا التنوع بين المفهومين، يجعل من "تبادل الأدوار" عملية غير سوية منذ البداية، لأن أدوات الفعل والقرار ليست من النوع نفسه.
عند إدخال التسويات الإقليمية على غرار "اتفاق الإطار" الذي تم توقيعه في واشنطن بين لبنان واسرائيل، تتعقد هذه الفرضية أكثر قأكثر. فوجود مثل هذا الإطار يعني أن أي دور سوري محتمل ستكون حركته مقيدة. إضافة إلى ذلك، فإن البيئة اللبنانية نفسها تلعب دوراً حاسماً في تعديل هذه الفرضية. لبنان ليس ساحة أمنية مفتوحة، بل مجتمع سياسي شديد الانقسام، حيث تتوزع المواقف بين مؤيدين لأي تدخل خارجي إذا اعتبر عاملاً للاستقرار، ورافضين بالمطلق يستندون إلى ذاكرة تاريخية حساسة تجاه أي وجود سوري، وكتلة متأرجحة تتغير مواقفها تبعاً للظروف الأمنية والاقتصادية. هذا الانقسام الشعبي لا يشكل مجرد خلفية اجتماعية، بل يمثل عاملاً اساسياً لقدرة أي ترتيبات أمنية على الاستمرار أو الفشل.
ضمن هذا السياق، يصبح الوقت عنصراً محورياً في تحديد مصير أي مشروع من هذا النوع. فالفترة التي سيستغرقها التنفيذ في مثل هذه المعطيات والمجتمعات لا ينظر اليه كعامل محايد، بل كقوة تعيد تشكيل الوقائع على الأرض. كل تأخير في التنفيذ أو غموض في التطبيق، يسمح بإعادة تموضع القوى المحلية، ويزيد من احتمالية تفكك الاتفاقات أو تحولها إلى أطر شكلية لا تعكس الواقع الميداني. كما أن مواقف الأطراف الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تبقى مرتبطة بنتائج الوقت أكثر من ارتباطها بالنصوص، إذ يتم تقييم أي مسار بناء على أثره الفعلي على الاستقرار الإقليمي وتوازن القوى.
كل هذه المعطيات توصل الى نتيجة واحدة: التداخل في حال حصوله، سيجعل أي استقرار في لبنان أو محيطه موقتاً، فتوازن القوى سيتحرك من دون ضوابط إقليمية (تركيا، ايران، اسرائيل...)، وسنكون امام مشهد معاد اكثر من مرة عبر التاريخ Déjà vu.
طوني خوري -النشرة
