صحافة

بعبدا ومعراب... الجمهورية قوية



عشية ذهاب لبنان إلى مفاوضات روما الأسبوع المقبل، يدخل المسار التفاوضي مرحلة الاختبار العملي المرتبط بـ"المنطقة التجريبية أو النموذجية"، بما تمثله من فرصة لقياس قدرة الدولة على بسط سيادتها، وفتح الطريق أمام الانسحاب الإسرائيلي وعودة الأهالي وإطلاق إعادة الإعمار. وفيما تتعرض "صيغة الإطار"، ومعها رئاسة الجمهورية والحكومة، لحملة ديماغوجية ونفسية يقودها محور "الخراب والاحتراب"، تثبت بعبدا أن أبواق "الممانعة" لن تنال منها.

وفي موازاة تحوّل "الممتعضين" من خيارات الدولة، سواء لأسباب عقائدية أو سلطوية أو لعقد مزمنة، إلى فرقة ندب ونحيب، يشهد القصر الجمهوري ديناميكية لافتة، مستعيدًا ألقه ومكانته في صلب صناعة القرار الوطني. وفي هذا السياق، برزت أمس زيارة رئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع، على رأس وفد من تكتل "الجمهورية القوية"، في خطوة لافتة بتوقيتها، تزامنًا مع المواقف الجريئة التي يعلنها رئيس الجمهورية جوزاف عون.

واستهل جعجع اللقاء بكلمة عبّر فيها عن سعادته بلقاء رئيس للجمهورية يعيد السلطة والسيادة إلى الدولة، وقال: "اتخذتم قراركم الجريء بالتفاوض مع إسرائيل بعد الدرك الذي وصلت إليه البلاد، وهو المسار الوحيد القادر على إخراجنا من الأزمة، رغم صعوبته والتحديات التي يواجهها، وخصوصا في ظل الاختلال الكبير في موازين القوى بين لبنان وإسرائيل. ونحن معكم وإلى جانبكم في القرار الذي اتخذتموه، وفي مواجهة الحملات التي تتعرضون لها، وخصوصا بسبب فصلكم المسار اللبناني عن المسار الإيراني - الأميركي". وشدّد جعجع على أن الرئيس عون لم يتجاوز صلاحياته الدستورية ولو بمقدار بسيط، وأن رئيس الجمهورية والحكومة هما من يمثلان الدولة، لا أي حزب، وأنهما يقومان بواجباتهما ويتحملان مسؤولياتهما. ودعا كل من يعتبر أن الدولة لا تمثله إلى المطالبة بإجراء انتخابات نيابية مبكرة في أي وقت.

من جهته، أعلن عون أمام الوفد أن "الانتقادات الموجّهة إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل لا تستحق الرد عليها، لأن لبنان خاض أكثر من مرة مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، بدءًا من العام 1949". وقال: "أؤكد لكم أنني لن أتراجع عن قرار التفاوض الذي اتخذته، مع إصراري على أن تتضمن مواقفي توضيحات للشعب اللبناني حول أهمية المسار الذي نسير فيه، وتمسّك لبنان بسيادته في كل الخطوات التي نقوم بها". ولفت عون إلى أن "الأمور تسير تباعًا نحو الحلحلة، وأن الانتقادات التي تستهدف هذا المسار تنطلق من رغبة في إعادة تحويل الملف اللبناني ورقة في يد إيران". كما رأى أن "صيغة الإطار"، رغم أنها ليست مثالية، تشكل فرصة لاستعادة الحقوق بالوسائل الدبلوماسية، في ظل الزخم الأميركي والقدرة على الضغط على إسرائيل. 

وعن أجواء اللقاء، علمت "نداء الوطن" أنه عكس درجة عالية من الانسجام والتطابق في المواقف بين رئيس الجمهورية وتكتل "الجمهورية القوية"، وأظهر تقاطعًا سياسيًا صلبًا حول دعم الخيار الذي يقوده عون، وتكريس حق الدولة الحصري في التفاوض باسم لبنان، ورفض ربط الاستحقاقات اللبنانية مجددًا بحسابات طهران الإقليمية. وبحسب أوساط متابعة، حملت زيارة "القوات اللبنانية" رسالة  سياسية واضحة مفادها أن بعبدا ليست وحيدة في معركتها لاستعادة القرار الوطني، ولن تكون مكسر عصا للمحور الإيراني أو لأذرعه الداخلية، بل تحظى بغطاء مسيحي واسع واحتضان وطني عابر للطوائف. وأضافت الأوساط أن جعجع أثنى على صراحة عون في مقاربة الملفات المطروحة، مؤكدًا أن موقف رئيس الجمهورية والدولة هو الموقف الصحيح، ولا يحتاج إلى تبرير ما دامت غالبية اللبنانيين تقف خلفه. وشدّد على أن المطالبة بالتبرير يجب أن تُوجَّه إلى من يعرقل هذه المسارات ويحول دون استعادة الدولة قرارها وسيادتها.

إلى ذلك، علمت "نداء الوطن" أن خلوة ثنائية مغلقة، استمرت نحو ربع ساعة، عُقدت بين عون وجعجع عقب انتهاء اللقاء الموسّع مع وفد تكتل "الجمهورية القوية".

"صيغة الإطار" إلى الميدان

وفي نشاط القصر، عرض رئيس الجمهورية مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل الأوضاع الأمنية في البلاد، ولا سيما في الجنوب، كما بحثا في التحضيرات الجارية لتنفيذ ما نصّت عليه "صيغة الإطار" في المناطق التجريبية المحددة، حيث يُفترض أن ينتشر الجيش اللبناني بالتزامن مع انسحاب الجيش الإسرائيلي منها.

وبالتوازي، أعلن مسؤول أميركي أن واشنطن انتقلت إلى مرحلة تنفيذ الإطار العام الناظم للتفاهمات بين لبنان وإسرائيل، موضحًا لـ"سكاي نيوز عربية" أن اجتماعات روما المرتقبة ستكون مغلقة، وستشكّل بداية الانتقال من التفاهمات السياسية إلى التنفيذ الميداني. وأضاف أن الاجتماعات ستتيح للحكومتين إحالة الملفات إلى الفرق الفنية لمعالجة القضايا الواردة في الإطار العام، تمهيدًا لتنفيذ بنوده على الأرض. وأشار إلى أن العمل سيبدأ خلال أيام في أول منطقة تجريبية، على أن ينسحب منها الجيش الإسرائيلي ويحلّ مكانه الجيش اللبناني، فيما تتواصل أعمال التخطيط لتحديد مناطق إضافية. من جهتها، نقلت صحيفة "فايننشال تايمز" عن مصادر أن فريقًا عسكريًا أميركيًا سيصل إلى بيروت للمساعدة في تنفيذ الاتفاق بين لبنان وإسرائيل. 

في الديمان، استقبل البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي النائب إبراهيم كنعان، الذي أكد أن التفاوض هو السبيل إلى وقف الحرب واستعادة الحقوق. كما دعا إلى دعم زيارة رئيس الجمهورية إلى واشنطن، ومنح الدولة فرصة للنهوض.

سلام يوسّع شبكة الدعم

وفي موازاة الحراك السياسي الذي شهده قصر بعبدا لتثبيت الغطاء الداخلي للمسار السيادي، تحرّكت الحكومة خارجيًا لتوسيع شبكة الدعم للبنان وتعزيز موقعه الإقليمي. وفي مشهد يعكس تكاملًا بين الرئاسة والحكومة في حماية استقلالية القرار اللبناني، حمل رئيس مجلس الوزراء نواف سلام إلى إسطنبول الثوابت نفسها التي تتمسك بها الدولة، وفي مقدمها بسط السيادة على كامل الأراضي اللبنانية، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، وتأمين الانسحاب الكامل، بالتوازي مع فتح آفاق أوسع للتعاون الاقتصادي والسياسي مع الدول الصديقة. وفي هذا السياق، لبّى سلام دعوة رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان إلى عشاء عمل في إسطنبول. 

ميدانيًّا، ومع تثبيت المسار التفاوضي وتوسيع شبكة الدعم الخارجي للبنان، بدأت مفاعيل دور "العرّاب" الأميركي تنعكس ميدانيًا في الجنوب، إذ أفادت هيئة البث الإسرائيلية، أمس، بأن المستوى السياسي في إسرائيل أصدر توجيهات إلى الجيش بتجميد جميع العمليات المصنّفة "حسّاسة" في جنوب لبنان، استجابة لطلب أميركي، حتى إشعار آخر. وأضافت الهيئة أن هذه التعليمات ستظل سارية إلى حين اتضاح مسار التصعيد الراهن بين الولايات المتحدة وإيران، ومآلات المحادثات الجارية بين لبنان وإسرائيل.