صحافة

سوريا لـ”الحزب”: لن نكون ممرًّا لسلاحكم من العراق



 

 

لم يعد المشهد كما كان. الرسالة التي خرجت بها وزارة الداخلية السورية، بعد إعلانها إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة قالت إنها كانت متّجهة إلى لبنان لصالح حزب الله عبر الأراضي السورية، لم تكن مجرّد بيان أمني عابر، بل إعلانًا سياسيًا واضحًا بأنّ دمشق تريد أن ترسم حدودًا جديدةً لعلاقتها مع ملف السلاح غير الشرعي. فحين تقول الدولة السورية إنّها لن تسمح بأن تكون أراضيها ممرًّا لتهريب السلاح، فإنّها توجّه رسالةً مباشرةً إلى كل مَن اعتاد التعامل مع الجغرافيا السورية باعتبارها طريقًا مفتوحةً لخدمة أجنداته الإقليمية.

 

سواء انتهت التحقيقات إلى تثبيت جميع تفاصيل القضية أو كشفت معطيات إضافية، فإنّ مجرّد الإعلان الرسمي عن إحباط العملية يعكس تحوّلًا في المقاربة السورية تجاه هذا الملف. فالسلطات السورية أرادت أن تقول إنّ مرحلة استخدام الأراضي السورية ممرًّا لوجستيًّا قد ولّت، وإنّ السيادة لم تعد شعارًا يُرفع في المناسبات، بل سياسة يُفترض أن تُترجم على الأرض.

 

 

بالنسبة إلى حزب الله، تمثّل هذه الرسالة ضربةً سياسيةً أكثر مما هي أمنيّة. فالحزب الذي لطالما اعتمد على خطوط إمداد إقليمية معقّدة، يجد نفسه أمام بيئة مختلفة، حيث تتبدّل الحسابات وتتغيّر الأولويّات. وحتّى لو نفى الحزب الاتهامات الموجهة إليه، فإنّ مجرّد صدور هذا الإعلان من جهة رسمية سورية يكشف حجم التحوّل في الخطاب الرسمي، وهو تحوّل لم يكن من السهل تخيّله قبل سنوات.

 

 

الأخطر من ذلك أنّ أي حديث عن استمرار محاولات تهريب السلاح إلى لبنان يأتي في لحظة دقيقة يعيشها البلد. فلبنان يرزح تحت أزمة اقتصادية غير مسبوقة، ويواجه ضغوطًا سياسيةً وأمنيّةً متزايدةً، فيما يسعى الرئيس جوزاف عون إلى فتح نافذة تفاوض مع المجتمع الدولي والدول العربية لاستعادة الثقة بالدولة اللبنانية ومؤسّساتها، وترسيخ مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، وتنفيذ الالتزامات اللبنانية. أخبار لبنان

 

في مثل هذا التوقيت، فإنّ أي قضية تتعلق بتهريب السلاح لا تُقرأ باعتبارها حادثة أمنية معزولة، بل باعتبارها عاملًا يُضعف موقع الدولة اللبنانية في أي حوار مع شركائها. فكيف يمكن إقناع المجتمع الدولي بأنّ الدولة تستعيد قرارها السيادي إذا استمرّت التقارير عن محاولات إدخال السلاح عبر الحدود؟ وكيف يمكن للبنان أن يُطالب بالدعم السياسي والاقتصادي في وقتٍ تتكرّر فيه الأسئلة حول قدرة مؤسساته على ضبط حدوده؟

 

إنّ أكبر ضرر يمكن أن يلحق بلبنان اليوم ليس فقط وجود السلاح خارج مؤسّسات الدولة، بل استمرار الانطباع بأنّ هناك مَن يُصرّ على إدارة ملفات استراتيجية بمعزل عن الدولة ومؤسّساتها. فهذه الصورة تُضعف موقف الرئاسة والحكومة والجيش، وتمنح خصوم لبنان حجّةً إضافيّةً للتشكيك في جدية أي إصلاح أو التزام سيادي. تحليل سياسي

 

 

لقد تغيّرت المنطقة، وأعادت دول كثيرة ترتيب أولويّاتها، وسوريا نفسها تبدو معنيّةً بإرسال إشارات تؤكد أنّها لا تريد أن تكون جزءًا من شبكات التهريب أو من صراعات الآخرين على أراضيها. وفي هذا السياق، فإنّ الرسالة السورية تبدو واضحةً: لن تكون الأراضي السورية معبرًا لأي نشاط يُعرّض أمنها أو علاقاتها الإقليمية والدولية لمزيد من التعقيد.

 

من هنا، فإنّ على حزب الله، إذا أراد حماية لبنان فعلًا، وهذه فرضيّة وليست واقعًا، أن يدرك أن المرحلة الحالية تختلف جذريًّا عن مراحل سابقة. فالمعادلات التي حكمت المنطقة طوال العقود الماضية تتغيّر، والدول باتت أكثر تشدّدًا في ملفات الحدود والسلاح والسيادة، والإصرار على تجاهل هذه التحوّلات لا يؤدّي إلّا إلى تعميق عزلة لبنان وإرباك علاقاته مع محيطه.

 

كما أنّ الرّهان على استمرار الواقع السابق يبدو أقرب إلى تجاهل الحقائق الجديدة. فكلما ظهرت قضية مرتبطة بتهريب السلاح أو تجاوز مؤسّسات الدولة، ازداد اقتناع المجتمع الدولي بأن الأزمة اللبنانية ليست اقتصادية فحسب، بل هي أيضًا أزمة قرار وسيادة. وهذا ينعكس مباشرة على فرص الاستثمار، والمساعدات، وإعادة بناء الثقة بالدولة. أخبار لبنان

 

 

إنّ نجاح الرئيس جوزاف عون في أي مسار تفاوضي يتطلّب وجود موقف لبناني موحّد يحترم مؤسسات الدولة ويمنحها وحدها حقّ إدارة الملفات الأمنية والعسكرية. أمّا استمرار الملفات الحسّاسة خارج هذا الإطار، فإنه يضعف أي إنجاز دبلوماسي محتمل، ويجعل لبنان يدفع ثمن انقسامات لا يحتملها في هذه المرحلة.

 

في النهاية، ليست القضية مجرد شحنة أسلحة أعلنت السلطات السورية ضبطها، بل هي مؤشر إلى أنّ المنطقة تدخل مرحلةً جديدةً عنوانها إعادة الاعتبار لسيادة الدول وحدودها. وإذا كانت دمشق تقول اليوم إنّها لن تكون ممرًّا للسلاح، فإنّ الرسالة الأهم يجب أن تصل إلى الداخل اللبناني أيضًا: لا يمكن بناء دولة مستقرة، ولا استعادة ثقة العرب والعالم، ما دام قرار الحرب والسلم، وملف السلاح، خارج إطار المؤسّسات الشرعية.

 

لبنان لا يحتاج إلى مزيد من خطوط التهريب، بل إلى خطوط إنقاذ سياسية واقتصادية ودبلوماسية. والطريق إلى ذلك يبدأ من احترام سيادة الدولة، وتحصين مؤسّساتها، وإبعاد البلاد عن أي ممارسات من شأنها أن تُعرقل جهودها لاستعادة مكانتها وعلاقاتها الطبيعية مع محيطها والعالم.

 

جان الفغالي -هنا لبنان