لم يعد التصعيد الإقليمي محصوراً بجبهة واحدة بعدما بات يتخذ طابعاً متعدّد الساحات، مع انتقال التوتر من الخليج العربي ومضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، بما يعكس اتساع رقعة الاشتباك وتداخل المسارات العسكرية والاقتصادية.
يرفع هذا التطوّر منسوب المخاطر الاستراتيجية، لأن أي اضطراب متزامن في اثنين من أهم الممرات البحرية العالمية يعني أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من الضغوط المتبادلة، حيث تصبح التجارة والطاقة والملاحة أدوات ضغط لا تقل أهمية عن العمل العسكري المباشر.
بالنسبة إلى القوى الإقليمية والدولية، يهدف فتح أكثر من جبهة بحرية إلى توسيع هامش الردع وإعادة رسم قواعد الاشتباك. فإيران وحلفاؤها يسعون إلى إظهار أن أي مواجهة لن تبقى محصورة في الخليج، فيما تعمل الولايات المتحدة وشركاؤها على تعزيز الانتشار البحري وحماية خطوط الملاحة ومنع تحوّل هذه المضائق إلى أوراق تفاوضية دائمة. وفي ظل هذا المشهد، تصبح احتمالات سوء التقدير أو الانزلاق إلى مواجهة أوسع أكثر ارتفاعاً، حتى لو بقيت الأطراف حريصة على تجنّب حرب شاملة.
أما لبنان، فيجد نفسه أمام معادلة شديدة الحساسية. فمن جهة، تتزايد الضغوط الدولية لمنع انتقال التصعيد إليه باعتباره يشكّل إحدى أكثر الساحات هشاشة في شرق المتوسط، ومن جهة أخرى، قد يفرض عليه أي توسّع للمواجهة الإقليمية استحقاقات أمنية وسياسية تتجاوز إرادته، خصوصاً إذا قررت أطراف مرتبطة بمحاور الصراع رفع مستوى الانخراط في المواجهة. خدمة إشعارات الأخبار
تزداد أهمية هذا العامل في ظل الجهود الدولية الرامية إلى تثبيت الهدوء في جنوب لبنان، واستكمال مسار تعزيز دور الدولة والجيش. فالمجتمع الدولي ينظر إلى الاستقرار اللبناني باعتباره جزءاً من منظومة أمن شرق المتوسط، وليس مجرّد ملف داخلي. لذلك، قد يؤدي أي تصعيد إقليمي واسع إلى تأجيل المبادرات الاقتصادية والاستثمارية المُخصّصة للبنان، وإبطاء برامج الدعم المالي وإعادة الإعمار، بانتظار اتضاح اتجاهات الأزمة.
اقتصادياً، سيكون لبنان من أكثر الدول تأثراً بأي اضطراب طويل الأمد في باب المندب وهرمز، نظراً لاعتماده على الاستيراد البحري لمعظم احتياجاته. فارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، واحتمال تأخر وصول البضائع، سينعكس مباشرة على أسعار المحروقات والسلع الأساسية، ما يضيف أعباء جديدة إلى الاقتصاد اللبناني الذي لا يزال يعاني من أزمة هيكلية عميقة.
بذلك، لا يقتصر الخطر على احتمال توسع العمليات العسكرية، بل يتمثل أيضاً في دخول المنطقة مرحلة استنزاف طويلة تُستخدم فيها الممرات البحرية كورقة نفوذ وضغط سياسي. يبقى التحدي الأساسي أمام لبنان هو الحفاظ على سياسة تمنع تحوّله إلى ساحة إضافية للصراع، بما يسمح له بالاستفادة من أي تسوية إقليمية مقبلة بدلاً من أن يكون أحد أبرز المتضررين من تداعياتها
