محليات

الحويّك... بطريرك انتزع دولة من طاولة الكبار



ثمة فارق بين رجل دين يبارك قراراً سياسياً اتخذه غيره، وبين رجل دين يتخذ القرار بنفسه ويذهب للدفاع عنه في عواصم القرار. البطريرك الياس الحويّك كان من النوع الثاني. فحين تعلّق الأمر بمصير لبنان بعد الحرب العالمية الأولى، لم يكتفِ بإصدار المواقف من بكركي، بل حمل حقيبته وسافر إلى باريس عام ١٩١٩ ليتفاوض بنفسه، وجهاً لوجه، مع قادة العالم المنتصر في الحرب.

ما ميّز حضور الحويّك في "مؤتمر الصلح" أنه لم يذهب بصفته الدينية وحدها. فقد حمل معه تفويضاً موقّعاً من ممثلي كل الطوائف اللبنانية، مسيحيين ومسلمين والدروز، يخوّله التحدث باسمهم جميعاً. وهذا ما أصرّ على تذكير محاوريه به كلما سنحت الفرصة، إذ قال لرئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمنصو، إنه لا يمثل أمامه بصفته رئيساً دينياً، بل بصفته حامل تفويض من الشعب اللبناني بمختلف مكوناته. هذه النقطة كانت جوهر شرعيته التفاوضية: هو لا يتكلم باسم طائفته، بل باسم كيان سياسي وليد يريد أن يولد.

من الاستقلال التام إلى قبول الانتداب

حين وصل الحويّك إلى باريس صيف 1919، كان مطلبه واضحاً وحاسماً: استقلال كامل وسيادة تامة، داخلية وخارجية، بلا وصاية من أحد. هذا ما حمله في خطابه أمام كليمنصو. لكن موازين القوى الفعلية في "مؤتمر الصلح" كانت مختلفة عمّا تصوره قبل السفر. القوى الكبرى كانت بصدد توزيع النفوذ على المنطقة، وفرنسا نفسها كانت تتجه نحو انتداب على المشرق لا محالة. أمام هذا الواقع، أعاد الحويّك حساباته، وقبل بصيغة وسط: الانتداب الفرنسي، شرط ألا يكون هذا الانتداب قيداً على حق لبنان في السيادة، بل تمهيداً لها ووسيلة لتحقيقها لاحقاً.

هذا التحوّل في الموقف لم يمرّ من دون انتقاد، إذ رأى فيه البعض تراجعاً عن سقف المطالب الأصلي وتسليماً لمفتاح البلاد إلى الأجنبي. لكن الحويّك ميّز، كما فعل كثيرون بعده، بين مفهومي الاستقلال والسيادة: فلبنان، برأيه، حصل على استقلاله عن أي دولة مجاورة، حتى لو لم يحصل بعد على كامل سيادته.

معركة الحدود: لبنان الذي يستطيع أن يعيش

لم يكن مطلب الحويّك مقتصراً على الاعتراف السياسي بلبنان، بل امتد إلى مسألة أكثر جوهرية بالنسبة إليه: حدود هذا الكيان. فقد رأى أن متصرفية جبل لبنان القديمة كانت كياناً غير قابل للحياة اقتصادياً، محروماً من السهول الزراعية والمرافئ البحرية. لذلك تركّز جزء كبير من عمله الدبلوماسي على انتزاع تعهد بضم الأقضية الأربعة والمدن الساحلية إلى الكيان الجديد. وفي تشرين الثاني 1919، حصل فعلاً على تعهد خطي من كليمنصو بهذا المعنى، اعتُبر لاحقاً بمثابة وثيقة الاستقلال غير الرسمية للبنان الكبير.
هذا المسار لم يكن خطياً ولا سهلاً. فبينما كان الوفد اللبناني الثالث يتابع المفاوضات في باريس مطلع 1920، كان الأمير فيصل يعقد في دمشق مؤتمراً أعلن فيه نفسه ملكاً علىسوريا وفلسطين ولبنان، في تحدٍّ مباشر لمشروع الحويّك. ولاحقاً، حين أوكل مؤتمر سان ريمو الانتداب على سوريا إلى فرنسا من دون ذكر لبنان صراحة، بدا المشروع اللبناني في موقف هش. لكن الحويّك واصل الضغط عبر مراسلاته مع الوفد ومع المسؤولين الفرنسيين، إلى أن تُوّج المسار بإعلان قيام دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول 1920.

بطريرك في مواجهة سلطتين

اللافت في مسار الحويّك السياسي أنه لم يكن مجرد حليف لفرنسا، بل خاض معها أيضاً مواجهات حين شعر أن مصالح لبنان مهددة. ففي خطابه الشهير أمام الجنرال هنري غورو في الديمان، لم يتردد في التحذير من أي مساس باستقلال لبنان، قائلاً له صراحة إن البلاد ستنتفض احتجاجاً لو حصل ذلك، وإنه قادر خلال أربع وعشرين ساعة على حشد كل اللبنانيين شاهدين على هذا الموقف. هذه اللهجة الحازمة، الموجهة إلى ممثل الدولة المنتدبة نفسها، تكشف أن علاقة الحويّك بفرنسا لم تكن علاقة تبعية، بل شراكة يفرض فيها احترام مطالب لبنان.
وفي المقابل، واجه الحويّك ضغوطاً من الجهة الأخرى، من الأمير فيصل (فيصل بن الحسين) كان قائد الثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين،ومن دعاة الوحدة السورية داخل لبنان نفسه، الذين طالبوه بتأييد قيام حكومة عربية في جبل لبنان. رفض الحويّك هذا الطرح رفضاً قاطعاً، ورحّب بدلاً من ذلك بدخول قوات الحلفاء وبانتهاء أي محاولة لإخضاع لبنان لسلطة عربية موحدة، منسجماً بذلك مع رؤيته لكيان لبناني مستقل بذاته، لا ملحق بمحيطه.

دستور يعكس التوازن الذي أراده

لم تتوقف مساهمة الحويّك السياسية عند لحظة إعلان الدولة، بل امتدت إلى مرحلة صياغة القانون الأساسي. فقد أصرّ على أن يعكس في دستور عام 1926 خصوصية لبنان التعددية، فطالب بنظام تمثيل نيابي طائفي يوازن بين الجماعات المختلفة بدل نظام يرجّح كفة طائفة على أخرى، ورأى أن هذا التوازن هو ما يسمح بالتدريج بامتزاج المصالح وتوحيد السياسة الداخلية. كما تمسك بالحفاظ على قوانين الأحوال الشخصية للطوائف، وطالب السلطاتالفرنسية بعدم التدخل في الشؤون الدينية، رافضاً في الوقت نفسه أي محاولة لفرض علمانية متشددة على مجتمع متعدد الأديان بطبيعته.

إرث سياسي يتجاوز شخص الرجل

ما يبقى من الحويّك السياسي اليوم ليس فقط إعلان دولة لبنان الكبير، بل نمط تفاوضي وقيادي بأكمله: رجل استخدم الشرعية الشعبية بدل الشرعية الدينية وحدها، وازن بين التمسك بالثوابت والمرونة في التكتيك، وتعامل مع القوى الكبرى بندّية لا بتبعية. وقد اعتبر هو نفسه أن ما تحقق عام 1920 لم يكن نهاية المطاف، بل الأساس الذي بُني عليه لاحقاً استقلال 1943، إذ لولا ذلك الإنجاز المبكر لما كان من الممكن أصلاً الحديث عن سيادة لبنانية كاملة بعد عقدين من الزمن.

الحويّك والوديعة الثمينة

وراء المفاوضات الدبلوماسية، كان الحويّك يستند إلى فكرة يعتبرها الركيزة الحقيقية لأي كيان لبناني قابل للاستمرار: التعايش القائم منذ قرون بين طوائف الجبل. وينقل الخوري إسطفان إبراهيم الخوري، في كتابه "وثائق البطريرك الياس الحويك السياسية"، ما قاله الحويك: "إن الموارنة حمَوا الطوائف الأخرى التي لجأت إلى لبنان حمى العدل والحق، وعاشوا في سلام مع من احترموا حياتهم وحقوقهم، وأحبوا جيرانهم وإخوانهم في الوطنية، وما تعمّدوا أذية أحد منهم لا في الماضي ولا في الحاضر إلا بتحرشات أجنبية". واعتبر أن هذه الطوائف اللبنانية التاريخية لجأت إلى جبال لبنان للأسباب نفسها التي لأجلها لجأ الموارنة إلى جباله والهدف نفسه، ما ولّد بينها وبينهم اتفاقاً على صون الهدف المشترك وتلاقياً ووفاقاً، الأمر الذي سمّاه البطريرك الحويك "الوحدة اللبنانية"، وكتب أنها "وديعة ثمينة كرّس قسمًا مهما من جهوده وصلواته لصونها". هذه الوحدة اللبنانية استبقت الميثاق وهيأت له.
والوحدة اللبنانية أرست بنظره أسس الميزة اللبنانية التي قال عنها إنها "ذات نتائج كبيرة وتنمّ عن تطور عميق، والتي، الأولى في الشرق، تُحِلّ الوطنية السياسية محلّ الوطنية الدينية. وبسبب هذا يمتلك لبنان وجهًا خاصًا وشخصية يتمسك بالمحافظة عليها فوق كل شيء".
وهذا البعد بالذات هو ما جعل من مطلبه السياسي أكثر من مجرد سعي إلى استقلال إداري: كان سعياً إلى ترسيخ صيغة عيش مشترك يقوم عليها الكيان بأكمله.