تعيش القوى السياسية في لبنان منذ أشهر حالة من التخبط السياسي الواضح، حيث تبدو معظم الاطراف وكأنها تدير الوقت أكثر مما تدير الأزمة نفسها. فلا مبادرات داخلية نجحت في إنتاج تسويات جديدة، ولا المتغيرات الإقليمية وصلت بعد إلى مرحلة تسمح برسم معادلات مستقرة، ما جعل الجميع ينتظر التطورات الخارجية على أمل أن تحمل معها حلولاً أو تفرض وقائع جديدة.
في هذا المشهد، يظهر "حزب الله" وكأنه يعتمد مقاربة تقوم على إدارة المرحلة بأقل قدر ممكن من الخسائر. فالأولوية بالنسبة إليه لا تبدو تحقيق مكاسب سياسية جديدة، بل منع الانزلاق إلى فتنة داخلية قد تعيد خلط الأوراق اللبنانية بصورة يصعب احتواؤها، إلى جانب تأجيل العودة إلى الحرب الشاملة مع إسرائيل ما أمكن ذلك. هذه المقاربة قد تكون مفهومة في ظل الظروف الراهنة، لكنها لا ترقى إلى مستوى استراتيجية سياسية متكاملة تمتلك رؤية واضحة لكيفية الخروج من الأزمة أو تحقيق مكاسب داخلية طويلة الأمد. فهي أقرب إلى سياسة احتواء المخاطر منها إلى مشروع سياسي متكامل.
وفي المقابل، لا تبدو الصورة أكثر وضوحاً لدى فريق رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. فالمراقب للمشهد يلاحظ أن الرهان الأساسي ينصب على استمرار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وعلى انتظار نتائج التحولات العسكرية والسياسية المرتبطة بالمواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران. وحتى الآن، لا تظهر مؤشرات على وجود خطة داخلية متماسكة لمعالجة الملفات اللبنانية بعيداً عن تأثيرات الصراع الإقليمي، الأمر الذي يجعل الحركة السياسية محكومة بعوامل خارجية أكثر مما هي نابعة من قرارات محلية.
هذا الواقع يجعل مختلف الأطراف اللبنانية أسيرة التطورات الإقليمية، بحيث تتراجع المبادرات الداخلية لمصلحة سياسة الانتظار والترقب. فلا أحد يريد اتخاذ خطوات كبرى قبل اتضاح صورة المنطقة، ولا أحد يملك ضمانات بأن التوازنات الحالية ستبقى على حالها خلال الأشهر المقبلة. ولذلك، تتحول السياسة اللبنانية تدريجياً إلى إدارة يومية للأزمة، بدلاً من السعي إلى إنتاج حلول دائمة.
ويبدو أن "حزب الله" يربط جانباً كبيراً من حساباته بما ستؤول إليه المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، وبقدر ما تستطيع طهران فرض معادلات جديدة في المنطقة، سواء عبر تحقيق مكاسب تفاوضية أو دفع إسرائيل إلى الانسحاب من لبنان. وتذهب بعض القراءات إلى أن "الحزب" تعامل بمرونة مع بعض المكتسبات الجغرافية، انطلاقاً من قناعة بأن أي تسوية إقليمية قد تمنحه لاحقاً أوراقاً تفاوضية أكبر مما يمكن تحقيقه في الظروف الحالية.
في المقابل، يراهن خصوم "الحزب" على أن الضغوط الدولية والإقليمية ستفرض واقعاً سياسياً مختلفاً، يسمح بإعادة ترتيب التوازنات الداخلية وفق معادلات جديدة. إلا أن هذا الرهان، هو الآخر، يبقى مرتبطاً بعوامل خارج الحدود اللبنانية، ما يعني أن جميع القوى، على اختلاف مواقعها، تنتظر نتائج صراعات لا تتحكم بها.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى لبنان عالقاً بين رهانات متناقضة، حيث يغيب المشروع الوطني الجامع لمصلحة حسابات مرتبطة بتوازنات الخارج. وبين انتظار هذا الفريق وذاك، تستمر مؤسسات الدولة في مواجهة تحدياتها اليومية، فيما تتراجع فرص إنتاج حلول لبنانية خالصة قادرة على إخراج البلاد من دوامة الأزمات المتلاحقة.
