انتهت القمة اللبنانية – الأميركية التي جمعت الرئيس جوزاف عون بالرئيس دونالد ترامب في المكتب البيضاوي، لكن الرهان الحقيقي لم ينتهِ بعد. فاللقاء الذي وُصف بأنه الأول من نوعه بين رئيسين لبناني وأميركي منذ عقود لن يقاس نجاحه بحرارة الاستقبال أو بصور المصافحة او بالابتسامات المتبادلة ، بل بما سيليه من خطوات فعلية على الأرض. وبين الرمزية السياسية والمضمون التنفيذي مسافة طويلة، ولبنان لا يملك ترف إضاعة فرصة كهذه في لحظة إقليمية متحركة على رغم التناقضات التي تميز المقاربات السياسية الداخلية لملف التفاوض من الاساس وارتفاع الأصوات الرافضة في مقابل ترقب لدى الأوساط المؤيدة التي ينتظر اصحابها بروز نتائج عملية لزيارة واشنطن .
ولعل قراءة موضوعية تضيء على أبرز العوامل التي تحدد ما إذا كانت هذه القمة ستتحول إلى محطة تأسيسية، أو ستذوب كسابقاتها في أرشيف اللقاءات التي لم تُترجم إلى واقع:
أولاً: الانسحاب الإسرائيلي شرط لا مجاملة
لا يختلف اثنان ان لا معنى لأي تفاهم أميركي – لبناني إذا بقي الاحتلال الإسرائيلي جاثماً على أجزاء من الجنوب اللبناني. فالانسحاب الكامل ليس مطلباً تفاوضياً قابلاً للتأجيل أو للمقايضة، بل هو الاستحقاق الذي يمنح أي اتفاق صدقيته الشعبية والوطنية. ان كل يوم إضافي تبقى فيه القوات
الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية يقوّض قدرة الدولة على تقديم نفسها كضامن وحيد للسيادة، ويمنح الأطراف الرافضة لنزع سلاح “حزب الله” ذريعة جاهزة لتبرير موقفها. لذلك فإن أي “نجاح” يُعلن في واشنطن من دون التزام أميركي واضح بالضغط على تل أبيب لإتمام الانسحاب سيبقى نجاحاً شكلياً، عاجزاً عن الصمود أمام اختبار الشارع اللبناني الذي عانى طويلاً من التسويف والوعود المعلّقة. ويراهن لبنان في هذا السياق على ما طلبه الرئيس ترامب من وزير الحرب الاميركي خلال الاجتماع في المكتب البيضاوي بعد الشرح الذي قدمه الرئيس عون عن الوضع في الجنوب وما تقوم به اسرائيل من اعتداءات وأعمال تجريف . نظر ترامب إلى وزير حربه وقال له : "اتصل بنتنياهو وقل له ان يوقف جيشه هذه الاعمال ". وفي طلب ثان قال ترامب للوزير نفسه : " قل لنتنياهو اني أريده ان يلتزم تطبيق"اتفاق الاطار" الذي وقعه سفيره في واشنطن ، وقل له ايضا ان. هذا الاتفاق يحمل توقيع الولايات المتحدة الاميركية " .
ثانياً: المواجهة العسكرية لا تصنع حلاً
من الضروري على واشنطن أن تدرك، ولو متأخرة، وان تقنع تل ابيب ولو على مضض ، أن رهان المواجهة العسكرية المفتوحة مع “حزب الله” لم يفضِ يوماً إلى نتيجة حاسمة، لا في العام 2006 ولا في أي جولة تصعيد لاحقة. ذلك ان المنطق العسكري البحت يُطيل أمد الأزمة ويرفع كلفتها الإنسانية والاقتصادية من دون أن يقترب من جوهر المشكلة. فالبديل الأكثر واقعية وفعالية هو سحب الذريعة التي يستند إليها "الحزب" في تبرير امتلاكه للسلاح، أي الاحتلال الإسرائيلي نفسه. فحين ينسحب الجيش الإسرائيلي بالكامل، يفقد خطاب “المقاومة” أحد أهم أعمدته أمام الرأي العام اللبناني، ويصبح النقاش الداخلي حول مستقبل السلاح أكثر إمكاناً للحسم عبر الحوار الوطني بدل فوهات البنادق. وما يعزز هذه القناعة ان الرئيس بري ، الاخ الأكبر كما يسميه "
حزب الله" اخذ على عاتقه معالجة موضوع سلاح " الحزب" بعد تحقيق الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب ؛ وهو التزام لا يمكن تجاهل أهميته وجديته عندما يصدر من بري الذي غدا المفاوض الفاعل الذي يمكن ان يقدم عملياً ومما يقول عنه الاميركيون : he can deliver ولا يمكن في هذا السياق من التوقف عند المديح الذي كاله ترامب للرئيس بري تعقيبا على ما قاله الرئيس عون عن رئيس المجلس عن "زعامته الشيعية" .من هنا فان " الثنائي الشيعي" مدعو إلى الاقتناع بالحكمة السياسية هنا أكثر جدوى من أي تصعيد عسكري جديد.
ثالثاً: دعم الجيش بالعتاد والمال
أما العامل الثالث الذي يفترض أن يتوافر كي لا تكون قمة واشنطن " للصورة فقط" كما يريدها البعض أن تكون ، فهو ضرورة الإقرار انه لا يمكن الحديث عن بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها من دون جيش قادر فعلياً على أداء هذه المهمة. ذلك ان الالتزامات الأميركية السابقة بدعم المؤسسة العسكرية اللبنانية غالباً ما بقيت دون سقف الحاجة الفعلية، سواء من ناحية التمويل أو التسليح أو التدريب. المطلوب اليوم التزام أميركي جدي وقابل للقياس، لا وعود عامة تتكرر في كل بيان مشترك. فالجيش الذي حظي بثقة الرئيس عون العلنية وبإشادة واسعة منه امام ترامب ، كما من مختلف الأطراف الداخلية، يحتاج إلى ترجمة هذه الثقة إلى قدرات لوجستية وتقنية تمكّنه من الانتشار في الجنوب وضبط الحدود ومواجهة أي فراغ أمني قد ينشأ بعد انتهاء مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة ، وأي تقصير أميركي في هذا الملف سيُفرغ الحديث عن “حصرية السلاح” من مضمونه العملي. والجديد في هذه المسألة تفاؤل المسؤولين اللبنانيين بعد قمة عون - ترامب بتجاوبٍ أميركي مع مطلب الرئيس اللبناني بدعم جدي للجيش اذ طلب ترامب من وزير حزبه ، بعد شروحات عون ، ان يرسل للجيش عتاد واليات وناقلات جند موجودة في مستودعات الجيش الاميركي " حتى لا يأكلها الغبار"، مقترحاً إلا يتأخر ارسال الآليات بعد تحديد الحاجة اللبنانية من خلال تواصل بين الوزيرين المعنيين والقيادتين العسكريتين على ان تتولى لجنة مختصة من الجيش الاميركي الحضور إلى
بيروت والاتفاق مع قيادة اليرزة على التفاصيل التقنية .
أدلة المدن والأدلة المحلية
رابعاً: متابعة لبنانية رسمية جدية ومؤهلة
يلتقي المراقبون على القول ان النجاح في واشنطن لا يعني شيئاً إذا لم تتبعه آلية عمل لبنانية داخلية قادرة على تحويل التفاهمات إلى خطط تنفيذية واضحة يقرّها مجلس الوزراء ويُشرف على متابعتها فريق كفوء. هنا يبرز استحقاق داخلي بالغ الحساسية: هل فريق العمل الذي يتولى متابعة نتائج القمة يمتلك الخبرة والكفاءة الكافيتين لإدارة ملف بهذا التعقيد؟ الإجابة الصادقة تستدعي من الرئاسة اللبنانية قناعة واضحة بأن هذا الفريق بحاجة إلى تطعيم وتعديل، والى ضم خبراء وأصحاب اختصاص في القانون الدولي والدبلوماسية والشؤون العسكرية والاقتصادية. فالتفاوض مع إدارة أميركية معقدة وبيئة إقليمية متحولة ، يتطلب فريقاً متعدد الاختصاصات، لا مجموعة محدودة تتحرك بمنطق العلاقات الشخصية أو الولاءات الضيقة. غياب هذه المتابعة الجدية سيحوّل نتائج القمة إلى حبر على ورق، تماماً كما حصل مع اتفاقات سابقة ذابت في أدراج البيروقراطية. من هنا فإن المسؤولية الرئاسية اللبنانية كبيرة ودقيقة في آن وتتطلب سرعة من دون تسرع .
خامساً: الانفتاح الداخلي وواقعية التعاطي مع “حزب الله”
اما العامل الخامس غلا يقل اهمية عما تقدم ؛ اذ لا يمكن لأي عهد أن ينجح في ملف بهذا الحجم من دون جبهة داخلية متماسكة. من هنا يحتاج الرئيس عون إلى تبنّي نهج جديد من الانفتاح الحقيقي على جميع الشركاء في الوطن، وفي مقدمهم الرئيس نبيه بري الذي يمثل حلقة وصل أساسية مع الطائفة الشيعية ومع “حزب الله” نفسه. كما أن التعاطي مع الحزب يجب أن يقوم على الواقعية السياسية لا على منطق الإقصاءً، فالتاريخ اللبناني الحديث يقدّم دروساً واضحة: كل محاولة لعزل فريق سياسي لبناني عن المشاركة الوطنية باءت بالفشل، وأنتجت أزمات أطول وأعمق من تلك التي حاولت معالجتها. لذلك، على الأطراف المناوئة لـ”حزب الله” أن تدرك أن خيار العزل ليس استراتيجية رابحة، بل مقدمة لمزيد من الانقسام. والحل يكمن في إدماج "الحزب" ضمن معادلة وطنية جديدة، لا في محاولة إخراجه من المعادلة بالكامل.
قناة تلفزيونية
سادساً: مطلوب من “حزب الله” واقعية مقابلة
في المقابل، لا يمكن تحميل الدولة والحكم وحدهما مسؤولية إنجاح هذه المرحلة. فعلى “حزب الله” أيضاً أن يُبدي واقعية أكبر في تعاطيه مع الحكم في مرحلة ما بعد المفاوضات وقمة عون – ترامب. وتفرض المرحلة المقبلة على "الحزب" إعادة تقييم موقعه ضمن معادلة الدولة، بما يتيح فسحة حقيقية لتطبيق ما تم التفاهم عليه، بدل التمترس خلف مواقف قد تُفرغ أي تسوية من مضمونها. الواقعية المتبادلة بين الدولة والحزب هي وحدها الكفيلة بإخراج البلاد من حلقة الشك المزمن التي طبعت العلاقة بينهما طوال سنوات. ولعل عودة التواصل بين بعبدا وحارة حريك لطي صفحة المناكفات السياسية والاعلامية ، باتت مسألة حتمية وتدوير الزوايا خطوة اساسية في هذا المجال .
سابعاً: تنويع التحالفات الخارجية
لقد بات من الواجب ان يقتنع المسؤولون في لبنان،على اختلاف مواقعهم، ان الرهان الحصري على واشنطن والرياض وحدهما، مهما بلغت أهميتهما، يحمل مخاطر استراتيجية على المدى الطويل. ذلك ان لبنان بحاجة إلى إعادة انفتاح العهد على شركاء دوليين وإقليميين متعددين: فرنسا التي حافظت تاريخياً على علاقة خاصة ببيروت ولا ينبغي تهميشها رغم التراجع النسبي لدورها في المرحلة الأخيرة، ومصر وقطر كعمقين عربيين فاعلين في أي ترتيبات إقليمية، وتركيا وإيران كلاعبين إقليميين لا يمكن تجاهل تأثيرهما على الملف اللبناني بشكل مباشر أو غير مباشر. ان حصر الخيارات بمحور واحد يجعل لبنان عرضة لأن يُستفرد به مستقبلاً إذا تغيرت الحسابات الأميركية أو الخليجية، ويحرمه من أوراق قوة كان يمكن أن يستخدمها لكسر منطق الأحادية القطبية في التعاطي مع أزماته. ان التعددية في التحالفات ليست تردداً في الموقف، بل هي صمام أمان استراتيجي لدولة صغيرة تقع في قلب منطقة شديدة الاضطراب. لقد كان لبنان في مرحلة ما بعد الاستقلال بعيدا عن المحاور ، وآن له ان يعود الى هذا الخيار لانه ضمانة تحمي لبنان من تبدل الولاءات والتحالفات .
في الخلاصة فإن قمة عون – ترامب تحمل في طياتها فرصة نادرة لإعادة تموضع لبنان في المعادلة الإقليمية، لكن هذه الفرصة هشة بطبيعتها. نجاحها الحقيقي مرهون بسبعة شروط متكاملة: انسحاب إسرائيلي كامل، وإدراك أميركي بعقم الخيار العسكري، والتزام جدي بدعم الجيش، ومتابعة لبنانية كفوءة ومهنية، وانفتاح داخلي حقيقي يشمل الجميع، وواقعية متبادلة بين الدولة و”حزب الله”، وتنويع للتحالفات الخارجية وغياب أي من هذه العناصر لا يُسقط القمة بالضرورة، لكنه يُبقيها أسيرة الرمزية، فيما يحتاج لبنان اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى نتائج ملموسة تعيد الثقة بين الدولة ومواطنيها، وتؤسس لمرحلة سيادية حقيقية بعد عقود من التآكل.
