خاص

خاص: فايز مشموشي - من غزة إلى الضفة الغربية… ولبنان بين الوعود السياسية والوقائع الميدانية.



بقلم العميد المتقاعد فايز مشموشي

بعد الحملة العسكرية الواسعة على قطاع غزة، وسيطرة الجيش الإسرائيلي على الجزء الأكبر من القطاع، بالتوازي مع تثبيت وجوده العسكري الاحتلالي في جنوب لبنان عبر إنشاء ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” أو المنطقة الأمنية العازلة، يبرز سؤال سياسي أساسي: هل انتقلت إسرائيل إلى المرحلة التالية من مشروعها الإقليمي، والمتمثلة بتكريس واقع جديد في الضفة الغربية؟

المشهد في الضفة الغربية يوحي بأن إسرائيل بدأت بالفعل مرحلة جديدة من التصعيد. فالاعتداءات اليومية التي ينفذها المستوطنون في نابلس ورام الله والخليل ومناطق أخرى، وإقامة مستوطنات جديدة، وإحراق المنازل والمساجد، والاعتداء على الفلسطينيين بحماية الجيش الإسرائيلي، كلها مؤشرات على سياسة تهدف إلى فرض وقائع ميدانية يصعب التراجع عنها في أي تسوية مستقبلية.

ويعزز هذا الانطباع إعلان رئيس الأركان الإسرائيلي عن إعادة نشر أحد الألوية العسكرية، بعد سحبه من جبهتي غزة وجنوب لبنان، في الضفة الغربية، بما يعكس انتقال مركز الثقل العسكري الإسرائيلي إلى هذه الساحة، بعد اعتبار أن مرحلتي غزة وجنوب لبنان دخلتا مرحلة تثبيت الإنجازات العسكرية وليس إنهاء الصراع.

وفي المقابل، جاءت زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية إلى البيت الأبيض ولقاؤه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب وسط توقعات بأن تشكل محطة مفصلية في الملف اللبناني، سواء لجهة الانسحاب الإسرائيلي أو تثبيت الاستقرار في الجنوب أو دعم مؤسسات الدولة اللبنانية. إلا أن ما تلا الزيارة لم يعكس أي تحول جوهري في الوقائع الميدانية، بل اقتصر على عناوين سياسية عامة تؤكد دعم الجيش اللبناني والدولة اللبنانية، من دون ترجمة عملية لهذا الدعم.

فالمطلب الأميركي الأساسي بقي يتمثل في حصر السلاح بيد الدولة ونزع سلاح حزب الله، وهو مطلب يدرك الجميع أنه لا يمكن تحقيقه بقرار لبناني منفرد، بل يرتبط بتفاهمات إقليمية ودولية، وفي مقدمتها مسار العلاقة الإيرانية الأميركية، وأي تسوية مستقبلية تشمل ملفات المنطقة.

وفي المقابل، تبدو الدولة اللبنانية حتى الآن غير قادرة على تنفيذ أي مسار عملي يتعلق بحصر السلاح بيدها، ليس فقط بشمال الليطاني او جنوبه  ، بل حتى في الملفات الداخلية الأقل تعقيداً. فقرارات مجلس الوزراء الصادرة  التي شددت على أن تكون بيروت الكبرى خالية من أي سلاح خارج إطار الدولة لم تُنفذ ، كما أن الدولة لم تتمكن من فرض سيطرة أمنية على الضاحية الجنوبية، الأمر الذي يعكس استمرار التوازنات الداخلية التي تجعل معالجة هذا الملف مرتبطة بتسوية سياسية أكبر، وليس بإجراءات تنفيذية منفردة.

أما في الجنوب، فرغم دخول الجيش اللبناني إلى  المنطقة التجربية  التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي جزئياً اي زوطر  الغربية ، فإن هذه الخطوة لا تزال أقرب إلى ترتيبات ميدانية محدودة منها إلى تطبيق انسحابات فعلية. فإسرائيل ما زالت تحتل مناطق كبيرة داخل الأراضي اللبنانية، وتواصل عمليات التفجير والتجريف وتدمير المنازل والبنى التحتية، فيما لا يوجد حتى الآن أي جدول زمني معلن أو التزام سياسي واضح بوقف  الاعتداءات و وقف إطلاق النار او بالانسحاب .

وفي الوقت نفسه، تستمر الطائرات المسيّرة الإسرائيلية في التحليق فوق بيروت والضاحية الجنوبية وأجواء مناطق لبنانية أخرى، في انتهاك متواصل للسيادة اللبنانية، من دون أن ينجح اللقاء الذي عقد في البيت الأبيض في إحداث أي ضغط أميركي فعلي يجبر إسرائيل على وقف هذه الخروقات أو يفرض عليها التزامات واضحة تجاه لبنان.

ومن هنا، تبدو نتائج زيارة واشنطن حتى الآن سياسية وإعلامية أكثر منها تنفيذية. فقد حصل لبنان على مواقف داعمة، لكنه لم يحصل على ضمانات عملية تتعلق بوقف الاعتداءات الإسرائيلية، أو الانسحاب من الأراضي المحتلة، أو تثبيت آلية واضحة لتطبيق القرار 1701 بجميع مندرجاته. كما أن إسرائيل واصلت، بعد الزيارة مباشرة، عملياتها العسكرية وخروقاتها الجوية، في مؤشر على أن الموقف الأميركي لم يترجم إلى ضغوط سياسية أو عسكرية قادرة على تغيير السلوك الإسرائيلي.

وفي المحصلة، تبدو المنطقة أمام مرحلة إعادة رسم للتوازنات أكثر منها مرحلة تسويات نهائية.  بينما يبقى لبنان أسير معادلة إقليمية لم تنضج بعد، حيث لا انسحاب إسرائيلي ، ولا تسوية لملف سلاح حزب الله، ولا ضمانات دولية ملزمة.

فنجد اسرائيل  حريصة على تثبيت نتائج عملياتها العسكرية في غزة، وترسيخ منطقة أمنية محتلة طويلة الأمد في جنوب لبنان، بالتوازي مع تسريع المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، بما يمنحها أوراق قوة إضافية على طاولة المفاوضات المقبلة. وفي المقابل، لا تزال الملفات الإقليمية الكبرى، من البرنامج النووي الإيراني، إلى مستقبل سلاح حزب الله، مروراً بالقضية الفلسطينية، مترابطة ضمن مسار تفاوضي واحد لم تنضج شروطه السياسية بعد.

لذلك، فإن كل الاجتماعات والزيارات الدبلوماسية، بما فيها لقاءات واشنطن، تبقى حتى الآن في إطار إدارة الأزمة أكثر منها صناعة الحل. فالقرار السياسي الحقيقي لم يُتخذ بعد، وما زالت الملفات اللبنانية والإسرائيلية والإيرانية تُدار ضمن سلّة تفاوضية إقليمية واحدة، بانتظار تسوية شاملة تحدد مستقبل الجنوب اللبناني، وسلاح حزب الله، ومستقبل الضفة الغربية، وشكل النظام الأمني الجديد في الشرق الأوسط.