تبدو الخطوات الغريبة المُتسارعة التي تجري في محافظة السويداء بسوريا؛ حلقة من سلسلة منهجيات عدوانية إسرائيلية، تبدأ في غزة والضفة في فلسطين، وتمرّ بجنوب لبنان، لتصل إلى سوريا. ولا يمكن فصل المواقف الخاصة للشيخ حكمت الهجري التي يعلن فيها الارتباط بإسرائيل، عن ما يجري في المنطقة من حروب وضجيج وخلط أوراق واستهدافات لها أبعاد استراتيجية.
ويتم توظيف هذه المواقف في توليفة يُعِدّ لها اليمين المُتطرِّف في إسرائيل، وهؤلاء يستخدمون القوة العسكرية، والميثولوجيات العقائدية التي لا تستند إلى أي منطق، أو حق. بينما الهدف العدواني الإسرائيلي واضح؛ وهو إنشاء أحزمة حراسة، وتعطيل الاتفاقيات التي تجري لإنشاء ممرات استراتيجية من الخليج العربي إلى تركيا وأوروبا وسواحل البحر المتوسط عبر جنوب سوريا، وإنتاج مواجهات أهلية في المناطق المحيطة بإسرائيل، وربما تهجير كامل دروز فلسطين والجولان لاحقاً إلى السويداء والاستيلاء على أراضيهم، وفق ما كان مرسوم لهم في العام 1947.
كلام الشيخ الهجري عن ارتباط الموحدين المسلمين الدروز بإسرائيل، ليس له أي دليل، وهو يتناقض مع تاريخ الدروز المتلازم مع القضايا العربية والإسلامية منذ ولادة الدعوة التوحيدية قبل ألف و9 سنوات، والدعوة انطلقت من الواحة الإسلامية الفاطمية، واعتبرها الدُعاة بمثابة "حركة تصحيحية" في وجه بعض الشوائب والتجاوزات، وهي تمسكت بالعقل كمُرتكز يدور حوله الصواب، وتنطلق منه الحقائق بالحججِ وبالبراهين. وقد كتب الموحدون الحجة على أنفسهم باللغة العربية وحدها، ولم تستخدم نصوص الحكمة أي لغة أخرى غيرها، والأجاويد التقاة درجوا على إعلان ما يمكن إعلانه عن الخط البياني للموحدين وفق هذه العناوين.
عاش الشيخ حكمت الهجري مدنياً منذ ولادته في فنزويلا عام 1965، ولا يوجد ما يؤكد أنه من العلماء الضليعين في خصائص الرسالة التوحيدية. استُدعيَ بعد الاستشهاد المُريب لشقيقه الشيخ أحمد سلمان الذي كان مرجعاً دينياً وازناً ومستقيماً؛ لتوليّ المنصب مكانه في العام 2012، وبمساعدة من أجهزة النظام البائد. وآل الهجري عائلة عريقة في قنوات جنوب مدينة السويداء، توارثت إحدى مشيخات العقل الثلاثة منذ أيام جدهم الأكبر ابراهيم مع بدايات القرن التاسع عشر، وكان الشيخ إبراهيم كما خلفه الشيح أحمد مسعود الهجري من كبار رجالات جبل العرب، ومرجعين توحيديين شجاعين مشهودٌ لهما.
كلام الشيخ حكمت الهجري عن ترابط الدروز مع إسرائيل، لقيَ استنكاراً واسعاً لدى الموحدين في سوريا وفي لبنان وفي فلسطين والأردن، والعائلات والمرجعيات التي أدانت كلام الهجري أكدت بالبراهين القاطعة على تأييد الدروز لوحدة سوريا، وعلى انتمائهم العربي والإسلامي، وعلى تضحياتهم الكبيرة دفاعاً عن هذا الانتماء منذ معركة تحرير القُدس في حطين العام 1187، ومعركة عين جالوت ضد التتار في العام 1260، مروراً بمهمة حماية الثغور العربية على سواحل لبنان، وصولاً إلى المساهمة في تحرير سوريا من الاستعمار بعد العام 1925، وقد جاهدوا في فلسطين رفضاً لاغتصابها عام 1948، لكنهم تُركوا من دون أي دعم، ورفضوا ترك أراضيهم والنزوح إلى جنوب سوريا، كما كانت العصابات الصهيونية ترغب في حينها، وحكومة الاحتلال صادرت القسم الأكبر من هذه الأراضي، رغم أنها تدَّعي احتضانهم زوراً. واستعملت البعض منهم لشرذمة المكونات المجتمعية الفلسطينية.
الشيخ حكمت الهجري اعترف في حديثه مع جريدة "واشنطن بوست" الأميركية في أيار/ مايو 2025؛ أنه يُنسق مع إسرائيل منذ ما قبل سقوط نظام بشار الأسد. وهو أجهض كل الاتفاقيات التي حصلت مع الإدارة السورية الجديدة منذ أيامها الأولى، وهذه إشارة واضحة لكونه يحمل مشروعاً خاصاً، وهو يتحمَّل جزء من المسؤولية عن المجزرة التي حصلت للدروز ولبعض أبناء العشائر في تموز 2025، لأنه وافق على دخول القوى الأمنية إلى المحافظة، ثمَّ تراجع عن الموافقة، على الرغم من أن المسؤولية الكبرى تقع على الحكومة المؤقتة التي لم تبذل جهوداً كافية لوقف المذبحة، كما أنها لم تقتصّ من المجرمين حتى اليوم، ودمشق لم تُعطِ اهتماماً كافياً لمعالجة المعضلة وتفويت الفرصة على إسرائيل. والهجري مُحاط بمجموعة من المقاتلين الذي كانوا يعملون مع نظام الأسد، وممارساتهم كادت أن تُوقِع اقتتالاً داخلياً في أكثر من مناسبة، وهذه المجموعات المُنضوية فيما سُمي "الحرس الوطني" قامت بعمليات اغتيال لمعارضين لها، ومنعت الطلاب من الوصول إلى مراكز الامتحانات الرسمية لنيل شهادات معترف بها.
قد يكون تصريح الهجري الأخير عن ربط مصيره بإسرائيل؛ النقطة التي أفاضت الكأس المليء بالجراح، والغالبية الساحقة من الدروز ترفض كلامه، ولا توافق على مشاريعه الانفصالية، وتستغرب أن يصل الأمر بابن العائلة الهجرية العريقة، التي كانت على الدوام مع وحدة سوريا وإلى جانب الإجماع التوحيدي؛ إلى هذا المُنزلق، وموقف الشيخ حكمت يطعنُ بتاريخ الموحدين، ويتنافى مع الحقائق، ويُلقي أعباءً على أبناء العشيرة، لا يمكن احتمالها.
أفشل الزعيم الراحل كمال جنبلاط بمعاونة وجهاء، مخطط إسرائيل بإنشاء كيان درزي يساعدها على حراسة حدودها غير الثابتة عام 1967، واليوم سيُفشِل الوطنيون الدروز المشروع المماثل – وربما الأكثر خطورة – ولن يُكتب لجنوح الهجري النجاح.
د.ناصر زيدان - المدن
