خاص

خاص: كولشان صغلام - لبنان في قلب التوازنات الجديدة: هل تقرأ بيروت البانوراما الإقليمية ومسارات "اتفاقية مكة"؟



بقلم: د. كولشان يوسف صغلام

 

يمر الشرق الأوسط بمرحلة إعادة تشكيل استراتيجية شاملة لم تشهدها المنطقة منذ عقود؛ حيث تتداعى صيغ التوازن القديمة التي قامت على الهيمنة الأحادية، لصالح نظام إقليمي جديد تعاد فيه صياغة التحالفات بناءً على موازنات القدرة الذاتية والاستقلال التقني. وفي غضون ذلك، يضع التراجع المتزايد للاندفاعة الأمريكية نحو الانخراط المباشر في أزمات المنطقة، مقروناً بمحدودية القدرات العسكرية الأوروبية وشح القوة البشرية لديها، الدول العربية والإسلامية أمام خيار استراتيجي حاسم: إما الإمساك بزمام الأمن الإقليمي عبر تكتلات سيادية، أو البقاء رهن الاستنزاف في حروب بالوكالة وتصفية الحسابات.

 

إجهاض "الناتو العربي" ومأزق الردع الإسرائيلي

تُكشف القراءة الدقيقة للمشهد الجيوسياسي عن تحول جوهري يمس عمق الاستراتيجية الإسرائيلية. فبعد سنوات من تسويق مشروع "الناتو العربي" (أو ما يسمى بالتحالف الإبراهيمي) الذي هدف إلى إدماج إسرائيل كقائد إقليمي للمنطقة تحت ذريعة مواجهة طهران، جاءت التحولات الميدانية والسياسية لتقطع الطريق تماماً على هذا المخطط. لم تعد تل أبيب قادرة على فرض شروطها أو تقديم نفسها كعرّاب أمني للمنطقة، خصوصاً مع تراجع الدعم الشعبي والسياسي للوبي الإسرائيلي داخل أروقة القرار في واشنطن، وتغير طبيعة "الدولة العميقة" في إسرائيل ونزوحها نحو راديكالية دينية تحركها هواجس وجودية ومخاوف ضياع مشروع التمدد الاستيطاني.

 

يترافق هذا الانكماش السياسي مع تحول تكنولوجي جذري؛ فلم يعد عامل القوة محصوراً بالترسانات التقليدية الباهظة، بل انتقل إلى التطور المتسارع في التكنولوجيا الدفاعية المنخفضة التكلفة، كالذكاء الاصطناعي، وطائرات المسيرات، ورادارات الرصد المتقدمة. هذا التحول التكنولوجي أوجد معادلة ردع جديدة أربكت المنظومات الدفاعية الغربية الباهظة، وحدّت بشكل ملموس من التفوق الميداني والحرية الجوية التي اعتادت إسرائيل ممارستها، ما يدفعها حالياً لممارسة استفزازات محفوفة بالمخاطر في محاولة لإرباك التفاهمات الإقليمية الناشئة قبل استكمال نصابها.

 

المعادلة المباشرة: من الشمال السوري إلى العمق اللبناني

تتجلى هذه التحولات الاستراتيجية بأوضح صورها في الشمال السوري، حيث انتقلت أنقرة في إدارة أمنها القومي من نمط التعامل مع الفاعلين من غير الدول، إلى بناء معاهدات وترتيبات دفاعية سيادية مباشرة مع المؤسسات الرسمية للدولة السورية. إن نشر منظومات الدفاع الجوي ورادارات التتبع التركية على الأراضي السورية لم يعد مجرد إجراء تقني محلي، بل أرسى خطوطاً حمراء قيّدت المجال الجوي أمام عمليات الاستهداف الإسرائيلية، وفرضت قواعد اشتباك جديدة في المنطقة تنهي حقبة "الساحة المستباحة".

وهنا يبرز الربط الجوهري المباشر مع لبنان؛ فالأمن القومي والاستقرار في شرق المتوسط يُشكل وحدة جيوسياسية لا تتجزأ. إن أي انكماش في هامش الحركة الإسرائيلية شمالاً عبر البوابة السورية يوفر تلقائياً مظلة حماية ومساحة تنفس جيوسياسية للبنان. فكفّ يد الاستفراد بالساحة السورية يضع حداً لسياسة الاستقواء الإسرائيلي، ويمنع تمدد الضغط العسكري نحو بيروت، سواء في الملفات الأمنية الحدودية، أو في ملف ثروات الغاز والكهرباء والحدود البحرية في شرق المتوسط، والتي طالما حاول الخصوم الاستئثار بها وقطع الطرق اللوجستية والتجارية أمام الدول العربية ولبنان.

 

"اتفاقية مكة": البديل الإقليمي لقطع الطريق على المشاريع الإقصائية

تجسيداً لهذه الديناميكية الجديدة، جاء توقيع "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بين تركيا والسعودية وباكستان ليشكل ضربة استراتيجية قاطعة لأي مشاريع إقليمية تهدف لتسييد قوى خارجية على المنطقة. تجمع هذه النواة الصلبة بين الصناعة العسكرية والتكنولوجيا الدفاعية المتقدمة لتركيا، والثقل الاقتصادي والسياسي للمملكة العربية السعودية، والقدرة العسكرية والنووية لباكستان.

تكمن أهمية هذه الاتفاقية في كونها لم تُطرح كحلف مغلق، بل كمظلة أمنية جاذبة ومفتوحة للتوسع. وفي حين تدرس دمشق حالياً خيارات الانضمام رسمياً في ضوء المباحثات الأخيرة، وتتزايد التقديرات بشأن التحاق دول محورية أخرى كمصر، فإن المسار الجيوسياسي يشير إلى إمكانية اتساع هذا التحالف ليتجاوز 40 دولة عربية وإسلامية. هذا التحالف المرتقب يقطع الطريق على مخططات عزل المنطقة وتهميش دولها، ويستعيد السيطرة السيادية على ممرات التجارة ومنابع الطاقة من البحر الأحمر إلى شرق المتوسط.

 

الدعوة إلى قرار لبناني جريء: من موقع "الساحة" إلى شريك القرار

أمام هذا المشهد البانورامي المتكامل، لا يملك لبنان ترف الوقوف في منطقة الحياد السلبي أو الانتظار في غرف العناية المركزة الدولية. إن المصلحة الوطنية العليا لبيروت تقتضي المبادرة باتخاذ خطوة شجاعة وجريئة نحو الانفتاح الرسمي على "اتفاقية مكة"، سواء عبر طلب العضوية المباشرة أو إرساء شراكة استراتيجية تدريجية. انضمام لبنان لهذا المحور يضمن له ثلاثة أبعاد سيادية واستراتيجية:

 

أولاً: بناء الردع السيادي للمؤسسات الرسمية: إن فتح قنوات التعاون العسكري ونقل التكنولوجيا الدفاعية وأجهزة الرصد المتقدمة حصرياً لصالح الجيش اللبناني يعزز من قدرة الدولة اللبنانية على حماية حدودها ومجالها الجوي والبحري، ويقطع الطريق أمام الذرائع التي تُستخدم للانتهاك المتكرر للسيادة الوطنية تحت ستار ضرب الفصائل المسلحة.

 

ثانياً: حجز موقع في خارطة الطاقة والممرات: تضمن هذه الخطوة دمج لبنان في شبكات الربط الكهربائي وخطوط الغاز والممرات اللوجستية في شرق المتوسط، ما ينقله من حالة العزلة والحصار الاقتصادي المفتعل إلى موقع الفاعل المستفيد مباشرة من ثرواته الوطنية.

 

ثالثاً: مظلة أمان وتوازن دبلوماسي: الانخراط ضمن تكتل إقليمي واسع يوفر لبيروت غطاءً سياسياً عربياً وإسلامياً شاملاً، يمنع استخدام أراضيها كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ويمنحها قوة تفاوضية متزنة ورادعة في المحافل الدولية.

 

في الختام، إن التحولات الكبرى في تاريخ الأقاليم لا تنتظر الدول المترددة. وكما استطاعت أنقرة، بالتنسيق مع حلفائها، قراءة البانوراما الدولية وصياغة معادلة أمنية ممتدة تشمل دمشق والخليج لملء الفراغ الاستراتيجي، فإن على القيادة السياسية في لبنان امتلاك شجاعة المبادرة. إن فتح ملف الشراكة مع "اتفاقية مكة" ليس مجرد خيار سياسي عابر، بل هو النافذة الاستراتيجية لاستعادة هيبة الدولة، وبناء قوة دفاعية وطنية، ونقل لبنان نهائياً من موقع "الساحة المخترقة" إلى موقع "الشريك المكتمل السيادة" في صناعة استقرار الشرق الأوسط الجديد.