بقلم إيلديكو إيليا
ليست المشكلة أن المسؤول لا يعرف كل شيء، المشكلة تبدأ عندما يرفض الاعتراف بحدود معرفته، ويصرّ على اتخاذ قرارات في مجالات لا يملك كأهل الاختصاص معرفة فيها. عندها يتحول الجهل من نقص في المعرفة إلى مشكلة إدارية، وقد يصبح الرأي الشخصي أخطر من الخطأ نفسه.
في الإدارة، كما في الحياة، كما في السياسة، من الطبيعي أن يخطئ الإنسان. لا أحد يملك المعرفة الكاملة، ولا أحد يستطيع أن يكون خبيرًا في الطب والاقتصاد والهندسة والقانون والإدارة في الوقت نفسه.
لكن المسؤول لا يُطلب منه أن يعرف كل شيء. يُطلب منه أن يعرف مَن يعرف. وهذه واحدة من أهم قواعد الإدارة الناجحة: أن يضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، وأن يعرف متى يتكلم، ومتى يستمع، ومتى يترك القرار لأهل الاختصاص.
من حق كل إنسان أن تكون له وجهة نظر. لكن الرأي لا يصبح علمًا لمجرد أن صاحبه يملك منصبًا أو يتحدث بثقة. اذ يمكنك أن تختلف مع الطبيب، لكن اختلافك لا يجعلك طبيبًا. ويمكنك أن تناقش الاقتصادي، لكن اعتراضك لا يمنحك شهادة في الاقتصاد. ويمكنك أن تختلف مع المهندس، لكن قوانين الهندسة لن تعيد حساباتها احترامًا لرأيك. فالعلم لا يخضع للتصويت.
المشكلة تبدأ عندما يصبح رأي غير المتخصص أقوى من رأي المتخصص، لأن الأول يملك سلطة القرار فحسب.
فيصبح السؤال: ما القرار الذي يريده صاحب السلطة؟ وهنا تبدأ المؤسسة بدفع الثمن.
تجدر الإشارة إلى أن المسؤول القوي ليس الذي يملك إجابة عن كل سؤال، بل الذي يعرف حدود معرفته ويستعين بمن يملك المعرفة اللازمة.
أما الاعتقاد بأن المنصب يمنح صاحبه الخبرة في كل المجالات، فهذه وصفة ممتازة لصناعة القرارات السيئة.
لا بل إن أخطر مسؤول ليس الذي لا يعرف، وإنما الذي لا يعرف أنه لا يعرف. لأن الأول يمكنه أن يسأل.
أما الثاني فيعتقد أنه لا يحتاج إلى السؤال أصلًا.
وهكذا قد تتحول غرفة الاجتماعات إلى مكان غريب: مجموعة من أصحاب الاختصاص يحاولون شرح المشكلة، ومسؤول ينتظر منهم أن يشرحوا له لماذا كان رأيه صحيحًا أصلًا. وهذه ليست إدارة. هذه جلسة تأكيد للذات بجدول أعمال.
ولكن ما الأخطر من كل ذلك؟ من أخطر ما يمكن أن يحدث داخل المؤسسات أن يصبح اختيار الأشخاص قائمًا على مدى موافقتهم للمسؤول، بدلًا من مدى كفاءتهم.
مع الوقت، يجد المسؤول نفسه محاطًا بأشخاص يخبرونه بما يحب أن يسمعه، لا بما يحتاج إلى سماعه.
وهنا يبدأ الانهيار الهادئ. فالخطأ الأول قد يكون بسيطًا وقابلًا للتصحيح. لكن إذا مُنع النقد، وغاب الاختصاص، وأصبح التراجع ممنوعًا حفاظًا على صورة المسؤول، فإن الخطأ الصغير يبدأ بالتكاثر.
الى ان تصبح كلفة الاعتراف بالخطأ أكبر.
وفجأة تكتشف المؤسسة أنها أمضت سنوات وهي تحاول إنقاذ قرار كان ينبغي تصحيحه منذ البداية.
قد تخسر المؤسسة المال، وهذا يمكن حسابه. وقد تخسر الوقت، وهذا أصعب. لكنها قد تخسر أيضًا كفاءات وفرصًا وثقة يصعب استعادتها.
والأكثر عبثية أن يكون الجميع قد عملوا بجد. اجتماعات، خطط، ميزانيات، ساعات طويلة، تقارير، لجان ومتابعة. فيكون كل شيء موجودا إلا الاتجاه الصحيح.
وهذا هو أخطر أنواع الهدر: أن تعمل كثيرًا، وأن تبدو منشغلًا جدًا، من دون أن تتقدم.
لذلك لا يكفي أن نقيس نجاح المؤسسة بعدد الاجتماعات أو حجم النشاط. السؤال الحقيقي هو: هل القرارات مبنية على معرفة؟ هل يستمع المسؤول إلى الخبراء؟ هل توجد معايير واضحة لقياس النتائج؟ وهل يستطيع صاحب القرار أن يغيّر موقفه عندما تثبت الوقائع أنه كان مخطئًا؟
في المؤسسات السليمة، عبارة كنت مخطئًا ليست فضيحة. بل قد تكون من أكثر القرارات مسؤولية. فالاعتراف بالخطأ وعدم المعرفة ليس ضعفًا. وتغيير القرار ليس هزيمة. والاستماع إلى المتخصص ليس تنازلًا عن السلطة. لا بل على العكس، هذه كلها علامات على قيادة ناضجة تعرف أن الهدف ليس حماية صورة المسؤول، بل حماية المؤسسة. فالمؤسسة ليست موجودة لإثبات أن رئيسها كان على حق. المؤسسة موجودة لكي تصل إلى القرار الصحيح.ةوهذا فرق جوهري.
وبالتالي، قبل أن نسأل لماذا تتراجع مؤسسة، أو لماذا تفشل جمعية، أو لماذا يتعثر مشروع، قد يكون علينا أن نطرح سؤالًا أكثر إزعاجًا: هل وضعنا الشخص المناسب في المكان المناسب؟ أم اخترنا الشخص الذي نعرفه؟ أو الشخص الذي يوافقنا؟ أو الشخص الذي لا يعترض؟ أو الشخص الذي قام بخدمة معينة في مكان ما نكافئه في مكان آخر؟
إن احترام الاختصاص ليس رفاهية إدارية، خصوصًا عندما تكون القرارات مرتبطة بأموال الناس، أو مستقبل مؤسسة، أو مصير مشروع، أو سنوات من العمل. لكن عندما يدخل الرأي إلى مساحة القرار، يجب أن يخضع للمعرفة. و عندما تكون النتائج على عاتق مؤسسة كاملة، يجب أن تكون الحجة أقوى من العناد.
وفي النهاية، المسؤولية ليست أن تقول: أنا أعتقد، المسؤولية أن تسأل: ماذا تقول الوقائع؟ ثم تمتلك الشجاعة لتتبعها، حتى عندما تقودك إلى نتيجة لا تعجبك. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مؤسسة ليس أن يكون لديها مسؤول لا يعرف. بل أن يكون لديها مسؤول لا يعرف أنه لا يعرف، ويصر على أن يقرر لمن يعرف.
عندها يصبح الجهل قرارًا، والعناد سياسة، والخطأ مسارًا. وقد نكتشف الحقيقة بعد أن يكون الوقت قد انتهى.
فليس أخطر من رأي يرفض العلم، إلا رأي يرفض العلم وهو يجلس على كرسي المسؤولية.
