خاص

خاص: جورج الريس - الأيديولوجيا في زمن التكنولوجيا...



بقلم جورج ر. الريّس

تشكّل الأيديولوجيا الدينية التي تحكم إيران نموذجًا مركّبًا لما يُعرف في العلوم السياسية بـ"الدولة العقائدية"، حيث تتداخل السلطة السياسية مع المرجعية الدينية ضمن إطار "ولاية الفقيه"، فتتحوّل العقيدة من منظومة إيمانية إلى نظام حاكم يُنتج خطابًا تعبويًا عابرًا للحدود. هذه المدرسة لا تكتفي بإدارة الداخل، بل تصدّر نفسها عبر أذرع إقليمية في لبنان واليمن وغزة والعراق، حيث تُعاد صياغة الهويات المحلية ضمن سردية كبرى تقوم على الصراع الوجودي والمظلومية التاريخية.
تعتمد هذه الأيديولوجيا على ثلاث ركائز أساسية: أولًا، إعادة تفسير التاريخ بوصفه سلسلة مستمرة من الاضطهاد، ما يمنح الحاضر شرعية قتالية دائمة؛ ثانيًا، تقديس الشهادة وتحويل الخسارة البشرية إلى رأس مال رمزي؛ وثالثًا، بناء وعي جمعي يُخضع الفرد لمفهوم الجماعة العقائدية. ضمن هذا الإطار، لا تُقاس الانتصارات بالمعايير العسكرية التقليدية، بل بمدى القدرة على الصمود وإعادة إنتاج الخطاب بعد كل ضربة، حتى ولو كانت الخسائر فادحة على مستوى القيادات والبنية التحتية.
إن مفهوم "الانتصار" هنا يُعاد تعريفه: فمقتل القادة لا يُعد هزيمة، بل يُستثمر كدليل على "نقاء المسار"، وتتحول المجازر إلى أدوات تعبئة تعزّز الالتفاف الشعبي. هذا ما يفسّر قدرة هذه الحركات على الاستمرار رغم التكاليف الباهظة، إذ يتم توظيف الألم ضمن سردية خلاصية تجعل المعاناة جزءًا من الهوية لا انحرافًا عنها.
أما على مستوى المجتمعات، فيُلاحظ أن الأفراد المنخرطين في هذه المنظومة يعيشون حالة ازدواجية نفسية: فهم من جهة يعانون من تداعيات الحرب والدمار، ومن جهة أخرى يجدون في الأيديولوجيا ملاذًا معنويًا يبرّر الواقع ويمنحه معنى. وهنا تلعب الرموز الدينية والتاريخية دورًا حاسمًا في إعادة تشكيل الوعي، بحيث يصبح التمسك بالعقيدة فعل مقاومة بحد ذاته.
في زمن التكنولوجيا، تواجه هذه الأيديولوجيا تحديًا مزدوجًا: فهي من جهة تستفيد من وسائل التواصل لنشر خطابها وتوسيع نفوذها، ومن جهة أخرى تتعرض لتفكيك مستمر عبر تدفق المعلومات وكشف التناقضات. لم تعد السيطرة على الوعي حكرًا على المنابر التقليدية، بل أصبحت ساحة مفتوحة تتداخل فيها الحقيقة مع الدعاية، ما يفرض على هذه المنظومة تطوير أدواتها الإعلامية بشكل دائم.
مواجهة هذه الأيديولوجيا لا تكون فقط عبر القوة الصلبة، بل عبر بناء خطاب بديل قائم على العقلانية، وتعزيز الدولة الوطنية، وتفكيك السرديات المغلقة من الداخل. فالمعركة الحقيقية لم تعد عسكرية بقدر ما هي معركة وعي، حيث يتحدد المستقبل بقدرة المجتمعات على التمييز بين الإيمان كقيمة روحية، والأيديولوجيا كأداة للهيمنة.
إن "الأيديولوجيا في زمن التكنولوجيا" لم تعد مجرد منظومة فكرية، بل تحوّلت إلى كيان ديناميكي يتكيّف مع التحولات الرقمية، ما يجعل فهمها ضرورة استراتيجية، لا خيارًا فكريًا...