خاص

خاص: عماد رزق - جمهورية الصين الشعبية في لبنان.. جندي ومهندس وطبيب



بقلم د. عماد رزق

في مشهد تتقاطع فيه صورة الخوذة الزرقاء مع أشجار الزيتون في جنوب لبنان، ترسم الصين، عبر عشرين عاماً من الوجود المتواصل، نموذجاً فريداً في عمليات حفظ السلام الدولية. لم تكن القوات الصينية في إطار "اليونيفيل" مجرد مراقبين للحدود أو مساهمين في الاستقرار الأمني، بل تجسيداً حياً لثلاث شخصيات في آن واحد: الجندي الذي يحمي، والمهندس الذي يعمر، والطبيب الذي يعالج. هذا التثليث في الأداء هو ما جعل التجربة الصينية في الجنوب اللبناني حالة استثنائية تستحق الدراسة والاحتفاء.

عند الحديث عن الجندي الصيني في لبنان، فإن الصورة النمطية للحراسة الثابتة تنهار أمام واقع ميداني مختلف. فمنذ التحاق أول كتيبة صينية في عام 2006 وحتى اليوم، أثبت هؤلاء الجنود أن شجاعتهم تقترن بدقة هندسية نادرة. أظهرت الإحصاءات أن أكثر من 8,800 جندي صيني تناوبوا على مهماتهم، واجهوا خلالها أخطر التحديات في حقول الألغام الممتدة على مساحة تجاوزت المليوني متر مربع. إن تدمير أكثر من 18 ألف لغم وذخيرة غير منفجرة، ليس مجرد رقم، بل هو حياة مدنيين أنقذت، وأراض زراعية أعيدت إلى أصحابها، ومدارس أصبحت في مأمن من الموت الزاحف تحت التراب

هنا يتجسد الجندي الصيني ليس كعنصر قوة فقط، بل كخبير في إبطال العبوات والالغام، وهو ما أكسبه إشادة نوعية من دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (UNMAS) التي وصفته بأنه "فريق نزع الألغام الأفضل".  انه انعكاس لعقيدة عسكرية تنظر إلى حفظ السلام كفعل إنساني قبل أن يكون واجباً عسكرياً، خاصة في ظل تصاعد التوترات في عام 2026، حيث بقي الجنود الصينيون في مواقعهم ليواجهوا المخاطر جنباً إلى جنب مع زملائهم من جنسيات أخرى.

وكما الجندي هو اليد التي تنتزع الخطر من الأرض، فإن المهندس الصيني هو اليد التي تبني الحياة على هذه الأرض.

إن إصلاح 320 كيلومتراً من الطرقات في جنوب لبنان، وسط وعورة التضاريس وتهديدات القصف المتقطع، هو عمل هندسي يضاهي العمليات القتالية في تعقيده. لكن الدور الهندسي لم يتوقف عند الطرقات؛ بل تعداه إلى إعادة تأهيل المدارس وربط القرى المعزولة، مما سهّل حركة المدنيين ونقل البضائع والأدوية.

فالقوات الصينية لم تنتظر استقرار الأوضاع لتبدأ الإعمار، بل عملت في مناطق الاشتباك، محولةً الألغام إلى تراب، والحفر إلى جسور، والعزلة إلى تواصل.

لكن اللقب الأكثر تأثيراً الذي حصل عليه الجنود الصينيون هو "الأصدقاء الشرقيون الأعزاء"، وهو لقب أطلقه اللبنانيون، ليس خوفاً من البندقية، بل امتناناً لـ "العباءة البيضاء".من تقديم العلاج لأكثر من 90 ألف مريض، وإجراء أكثر من 2500 عملية جراحية كبرى، إلى التبرع بأكثر من 100 ألف قطعة من الإمدادات الطبية والغذائية.

هنا يتحول الطبيب الصيني إلى سفير لبلاده، يحمل في حقيبته الأدوية وفي قلبه رسالة إنسانية تزيح الغبار عن وجه السياسة. هذه الخدمات الصحية لم تقتصر على الجنود أو المتعاونين مع اليونيفيل، بل امتدت إلى النساء والأطفال وكبار السن، مما خلق شبكة أمان صحي موازية للدولة اللبنانية في أوقات الأزمات.

ركيزة لا غنى عنها" في البعثة توصيف، قائد قوات اليونيفيل، اللواء ديوداتو أبانيارا، للقوات الصينية.

بعد عشرين عاماً، لم تعد الخوذة الزرقاء الصينية مجرد رمز للانضباط، بل أصبحت جزءاً من الذاكرة الجمعية للجنوب اللبناني. إنه نموذج يحتذى به في كيفية تحويل المشاركة العسكرية إلى تأثير مجتمعي عميق، حيث يبقى الأثر الإنساني طويلاً بعد أن تغادر الدبابات ويطوى العلم. في لبنان، تعلم العالم أن جندياً واحداً من الصين قد يكون في الوقت نفسه مهندساً للسلام وطبيباً للحياة.