محليات

"سفير بلا صفة"... هكذا خرجت بيروت من مأزق شيباني دون أزمة دبلوماسية!



ماذا يحدث حين يرفض سفير مغادرة بلد لم يعد معتمداً فيه؟ هذا بالضبط ما وجدت بيروت نفسها أمامه مع السفير الإيراني المعيّن وغير المعتمد "محمد رضا شيباني"، في أزمة دبلوماسية كشفت عن مخرج قانوني نادراً ما يسلّط عليه الضوء.
بعد انتهاء صلاحية تأشيرة شيباني، سحبت وزارة الخارجية اللبنانية اعتماده واعتبرته شخصاً "غير مرغوب فيه"، بعدما تجاوز الأعراف الدبلوماسية المتعارف عليها. لكن المشكلة لم تنته عند هذا الحد: فقد رفض شيباني مغادرة البلاد، ووجدت السلطات اللبنانية نفسها أمام مأزق مزدوج — قانوني وسياسي في آن واحد. فكيف تُرحّل دبلوماسياً سابقاً دون أن تفجّر أزمة مع طهران؟


لتفادي التصعيد وتجنّب الترحيل القسري، لجأت المديرية العامة للأمن العام- بعد اتصالات ووساطات على اكثر من خط- إلى حل وسط، تمثل بمنح شيباني "إقامة مجاملة موقتة" لمدة ستة أشهر، لكن بصفته "مواطناً عادياً ودبلوماسياً سابقاً" لا بصفته الدبلوماسية الرسمية. وهو إجراء بسيط في ظاهره، لكنه فتح الباب أمام تساؤل أوسع: ما هي هذه "التأشيرة" التي حلّت أزمات دبلوماسية كاملة "بشحطة قلم"؟

ما هي "إقامة المجاملة"؟
يشرح مصدر ديبلوماسي، عبر وكالة " أخبار اليوم" أن "تأشيرة المجاملة" هي أداة قانونية وبروتوكولية تعتمدها معظم دول العالم لتسهيل دخول أو إقامة فئات معينة من الأجانب، لاعتبارات سياسية أو إنسانية أو تاريخية... وتتميز بأنها مجانية بالكامل ومعفاة من الرسوم والضرائب، وتمنح حاملها حق الإقامة القانونية دون الشروط المعقدة المفروضة على سائر الأجانب.
ويضيف: لكن الأهم ان هذه التأشيرة سلاح ذو حدّين: فهي لا تمنح صاحبها أي حصانة دبلوماسية أمام القانون المحلي، ولا تخوّله القيام بأي مهمة رسمية أو سياسية باسم دولته. بمعنى آخر، شيباني اليوم مقيم عادي في نظر القانون اللبناني، لا سفير.

متى تمنح؟!
ومتى تُستخدم هذه التأشيرة؟ يجيب المصدر: ينظّم قانون كل دولة حالات محددة لمنحها، أبرزها:
- الدبلوماسيون والوزراء السابقون الراغبون بالإقامة الشخصية — وهي الحالة المطابقة تماماً لشيباني، السفير السابق في بيروت بين عامي 2006 و2009.
- المسؤولون الأجانب في زيارات غير رسمية.
- الروابط العائلية (كزوجة المواطن الأجنبية أو أولاد المواطنة)
- "مخرج الطوارئ" لاحتواء الأزمات السياسية الطارئة، وهو بالضبط ما حدث في قضية شيباني. 

لبنان و"السوابق الدبلوماسية"
وفي هذا السياق، يلفت المصدر الى ان أزمة شيباني ليست الأولى من نوعها، قائلا: طرد الدبلوماسيين وإعلانهم "أشخاصاً غير مرغوب فيهم" ليس أمراً مستحدثاً في لبنان. فحتى قبل اتفاق الطائف، شهد البلد سابقتين بارزتين: طرد أعضاء من البعثة السوفياتية عام 1969 بسبب تورطهم في محاولة خطف طائرة ميراج من الجيش اللبناني، ثم طرد دبلوماسيين إيرانيين عام 1983 خلال سنوات الحرب الأهلية مع توسع نفوذ إيران على الساحة اللبنانية.
أما بعد الطائف، فتبرز سابقة أكثر حدة: في عام 1994 قطع لبنان علاقاته مع العراق بالكامل وأمهل بعثته الدبلوماسية للمغادرة، إثر إدانة القضاء اللبناني لأربعة عناصر من المخابرات العراقية باغتيال المعارض طالب التميمي في بيروت. وتكرر النمط لاحقاً مع ليبيا عام 2003 مما أدى لإغلاق بعثتها في بيروت على خلفية قضية اختفاء الإمام موسى الصدر.
الفارق الجوهري في حالة شيباني؟ في كل السوابق السابقة، غادر الدبلوماسيون المطرودون فعلياً. أما هذه المرة، فالسفير رفض الرحيل، ما دفع الدولة لابتكار حل وسط لم تكن بحاجة إليه في أي من الأزمات السابقة.
وحين سئل" كيف تصدر هذه التأشيرة، يوضح المصدر ان هذا الإجراء يستند في لبنان إلى المادة 21 من المرسوم الاشتراعي رقم 10188 الصادر عام 1962، ويقع ضمن الصلاحيات التقديرية للمدير العام للأمن العام بالتنسيق مع الرئاسات.
ويتابع: لكن لبنان ليس استثناءً، فمثل هذا النظام معتمد عالمياً بمسميات مختلفة: السعودية تستخدم "تأشيرة مجاملة الحج" لشخصيات اعتبارية خارج نظام القرعة الرسمي، بينما تعتمد الولايات المتحدة ودول أوروبا مسمى "Courtesy Visa"  للشخصيات التي لا تنطبق عليها فئات التأشيرة الدبلوماسية الكاملة، لكن طبيعة عملها تستوجب معاملة بروتوكولية خاصة.

 


الأشهر الستة... ماذا بعد؟!
إذًا، الحل الحالي "موقت" بحكم القانون، لكن السؤال الذي يبقى معلقاً: هل ستُحل الأزمة الدبلوماسية بين بيروت وطهران خلال مهلة الستة اشهر، أم أن "المخرج البروتوكولي" ليس أكثر من تأجيل استحقاق سياسي أعمق يذكّر بسوابق لم تُحل جذورها يوماً؟